سوريا - اقتصاد
من المعابر إلى الطاقة.. إعادة تنظيم متأنية للتعاون الاقتصادي السوري اللبناني
أ
أحمد الكناني
نشر في: ١٥ يوليو ٢٠٢٦، ١٣:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

شكلت اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة، أحد أبرز الاتفاقيات بين الجانبين خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان. على اعتبار أنها فتحت صفحة جديدة بين البلدين، في إطار التعاون المؤسساتي والاحترام المتبادل للسيادة، بعد سنوات من العلاقة المتوترة، التي تصاعدت حدتها مؤخراً مع الحديث عن احتمالية انخراط سوريا في الحرب اللبنانية.
وتحدد الاتفاقية، التي وقعها عن الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، مختلف جوانب التعاون السياسية والدبلوماسية، إضافة إلى الجوانب القضائية والقانونية والأمنية، إلا أن أبرز تلك المجالات يتعلق بالجوانب الاقتصادية والمالية والتجارية، والتي امتدت لتشمل قطاعات النقل والمياه والطاقة والبنية التحتية.
تنظيم اقتصادي
ينوه الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود عبد الكريم، إلى أهمية الاتفاق في إحداث سكرتارية مشتركة دائمة بين البلدين، كأبرز مخرجات اللجنة، بمعنى أن الملفات الاقتصادية لن تبقى رهينة الزيارات الظرفية أو التفاهمات المتفرقة بين وزارات بعينها، بل ستخضع لمتابعة دورية منتظمة، لافتاً إلى أن التبادل التجاري بين البلدين خلال الفترة الممتدة من ٢٠١٦ حتى آذار ٢٠٢٥ بلغ نحو ٢.٦٥٧ مليار دولار، وهو حجم تبادل ظل يُدار في غياب أي إطار مؤسسي ثابت، وعليه يتوقف نجاح السكرتارية المشتركة على قدرتها على تحويل نفسها من "منصة تشاور" إلى آلية تنفيذية مُلزمة.
من جانبه، يشير الأكاديمي والمحلل اللبناني زياد علوش إلى أن اللجنة الجديدة بديل عن المجلس الأعلى اللبناني السوري، الذي أُنشئ في 22 أيار 1991 في إطار تطبيق معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين البلدين آنذاك، وعليه سيكون التركيز الرئيسي في هذه اللجنة على أعمال السكرتارية المشتركة من حيث دراسة الملفات العالقة، وإعداد المشاريع المشتركة، وطرح آليات التواصل والتنسيق، وما يصدر من توصيات تنفيذية.
مشروع الربط الكهربائي
أشارت التصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة اللبناني إلى أن ملف الربط الكهربائي يأتي في مقدمة مجالات التعاون بين البلدين، وفي هذا السياق يوضح الأكاديمي اللبناني علوش طبيعة المشروع الكهربائي، الذي انطلق عام 2001 وتوقف بفعل الثورة السورية، ويقوم على ربط الشبكة اللبنانية بالشبكتين الأردنية والسورية، إضافة إلى مسار إضافي يتعلق بخط الغاز العربي لتغذية معمل دير عمار اللبناني، وهو خط يجري العمل على تأهيله داخل الأراضي السورية وجزء محدود داخل الأراضي اللبنانية.
تحديات
فيما يعتقد الباحث الاقتصادي عبد الكريم بوجود مجموعة من التحديات أمام الربط الكهربائي، أولها فجوة الإنتاج نفسها في سوريا، إذ يبلغ الطلب اليومي على الكهرباء نحو ٧٠٠٠ ميغاواط، بينما لم يتجاوز التوليد الفعلي مطلع ٢٠٢٦ حاجز ٣٠٠٠ ميغاواط للمرة الأولى منذ أكثر من ست سنوات، ما يعني أن سوريا نفسها لا تزال بعيدة عن تحقيق فائض تصديري، إضافة إلى كلفة التمويل، فالبنك الدولي يُقدّر أن البلاد كانت تحتاج قبل الحرب إلى استثمارات تقارب ١٠.٥ مليارات دولار لتطوير قطاع التوليد والنقل والتوزيع، وهذا الرقم اليوم أكبر بكثير، كونه سيشمل الترميم وإعادة البناء والتحديث المؤجل.
النقل التجاري
تؤسس اللجنة العليا المشتركة آلية جديدة في نقل وتبادل البضائع وحركة مرور المواطنين بين البلدين، إذ يوضح المحلل السياسي اللبناني علوش أن الإدارة السورية أنشأت إدارة موحدة لإدارة المعابر البرية والبحرية والجوية، فيما لا توجد إدارة مشتركة تقابلها في لبنان، وعليه تم وضع آلية لضبط التواصل تنظيمياً، ودراسة إجراءات النقل "ترانزيت" بما لا يؤثر في ارتفاع تكلفة الإنتاج اللبناني المصدَّر إلى دول الجوار، خاصة أن أسعار السلع في المناطق الحدودية ترتفع بنسبة تتراوح بين ١٥٪ و٢٠٪ نتيجة ارتفاع كلفة النقل عبر معابر أبعد في حالات إغلاق المعابر الرئيسية.
وفي هذا الإطار يوضح الباحث الاقتصادي عبد الكريم أن التجارة البرية القانونية بين البلدين تتركز تاريخياً في معبر المصنع بشكل شبه حصري، إذ مرّ عبره ٥٨٪ من حجم التبادل التجاري بين سوريا ولبنان في عام ٢٠٢٣، فيما مرّ عبره ٩٦٪ من واردات لبنان البرية و٨٧٪ من صادراته البرية، وهو تركّز خطير من الناحية الاقتصادية؛ لأنه يجعل حركة التجارة كلها رهينة استقرار معبر واحد، وعليه فإن تأسيس آلية دائمة ضمن اللجنة لإدارة المعابر وتسهيل حركة المرور ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة اقتصادية لخفض كلفة النقل وتقليص الاعتماد على قنوات التهريب غير الرسمية.
ملفات عالقة
على الرغم من وجود آليات للتنسيق والعمل المشترك، يعتقد خبراء بوجود العديد من الملفات التي لا تزال عالقة بين البلدين وفي طور إيجاد حلول لها أبرزها، حسب المحلل اللبناني علوش إعادة تفعيل ملف النفط العراقي الذي كان يكرر في شركة الـ APC شمال لبنان ويمر عبر سوريا، إضافة إلى ترسيم الحدود البحرية، حيث يجري الحديث عن اكتشافات للطاقة الهيدروكربونية والغاز في الحدود الشمالية ضمن ما يسمى "البلوكين" (1-2) بمساحة حوالي 750 كلم²، عدا عن إدارة وضبط الحدود المشتركة ومكافحة التهريب.
أما الباحث الاقتصادي عبد الكريم، فينوه إلى اختلال الميزان التجاري لصالح لبنان، إذ بلغت واردات سوريا من لبنان في الأشهر السبعة الأولى من عام ٢٠٢٥ نحو ١٠٣.٤ ملايين دولار، مقابل صادرات سورية إلى لبنان بقيمة ٧٠.٤ ملايين دولار فقط، أي فائض تجاري لبناني يقارب ٣٣ مليون دولار في تلك الفترة وحدها، وهو نمط يعكس محدودية القدرة التصديرية السورية الحالية بعد سنوات الحرب، إضافة إلى ضعف البنية المصرفية وآليات التمويل التجاري بين البلدين.
هذا وتتولى اللجنة إعداد المقترحات المتعلقة بالتدابير الكفيلة بتطوير التعاون بين البلدين، واقتراح تعديلات على الاتفاقيات والبروتوكولات الثنائية، فضلاً عن اقتراح آليات أو هيئات مشتركة، دائمة أو مؤقتة، كما تقتضي مصلحة التعاون.


