الآراء
استراتيجية "صفر قواعد".. كيف تدير دمشق ملف الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها؟
القواعد الأجنبية في سوريا.. استراتيجية دمشق لاستعادة السيادة وإنهاء الوجود العسكري الخارجي
أ
أحمد الكناني
نشر في: ١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٤:١٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
رسمت زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك ملامح واضحة للسياسة الخارجية التي تنتهجها دمشق في علاقاتها الدولية، إذ طرحت دمشق رؤيتها بشكل تفصيلي، لاسيما فيما يتعلق بمستقبل القواعد الأجنبية على الأراضي السورية، والكشف عن استراتيجية "صفر قواعد" في البلاد، والتي كانت قبل أقل من عامين مركزاً متعدداً لقواعد دول أجنبية تمتد من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها.
تشير رؤية الرئيس الشرع التي طرحها في جلسة المجلس الأطلسي (Atlantic Council) بمدينة نيويورك 22 أيلول 2026، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى التوجه السوري لإخلاء القواعد الأجنبية من البلاد، والحفاظ على الوحدة الوطنية، والتعاون مع جميع الدول لتمكين الدولة السورية من استعادة وحدة أراضيها واستقلالها، ما يعني أن هذا التوجه سيشمل الدول الصديقة أيضاً.
أسباب سياسية
بدأت سوريا منذ عملية "ردع العدوان" تفكيك القواعد الأجنبية على أراضيها، حيث انسحبت دول إقليمية من الساحة السورية، وتضاءلت أدوار أخرى، فيما تمددت إسرائيل جنوباً، وخلال المرحلة الانتقالية، دشنت دمشق مساراً متكاملاً لإنهاء التواجد الأجنبي بشكل تدريجي رغم العديد من المعوقات التي تحيط بهذه العملية.
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي عبد الله الحمد أن تفكيك وإخراج القواعد والقوات الأجنبية من الأراضي السورية يشكل ركيزة أساسية لدعم وتوحيد القرار السيادي السوري، سواء على المستوى السياسي والعسكري، كما يحمي البلاد من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لافتاً إلى أن وجود الجيوش الأجنبية يفرض ضغوطاً ويشوش متخذ القرار الأمني والعسكري والدبلوماسي في البلاد.
وأشار الحمد إلى أنه على الرغم من استراتيجية دمشق القاضية بإزالة القواعد الأجنبية، إلا أنها حافظت على شراكات سياسية وعسكرية مع دول الجوار المتاخمة لحدودها، بما في ذلك تركيا والأردن والعراق، فضلاً عن شراكة دولية تجسدت بانضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث السياسي د. حمزة المحيمد أن التواجد الأجنبي على الأراضي السورية يتطلب مسارات تشريعية لإقراره وتحديد طبيعته، وتأسيس شراكات وفق أطر قانونية ودستورية، وتلك مسؤولية تقع على عاتق مجلس الشعب لتنظيم وجود القواعد أو التدريبات العسكرية الخارجية، وهو ما يندرج ضمن رؤية دمشق المتعلقة بفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإنهاء مركزية القرار السياسي.
خارطة القواعد الأجنبية
تحولت سوريا خلال سنوات الثورة السورية إلى بقعة جغرافية تعددت فيها القواعد الأجنبية نتيجة لظروف هيّأها نظام المخلوع، إذ منح إيران نفوذاً غير محدود، وما تبع ذلك من استقدام قوات أجنبية تحت إدارتها، إضافة إلى ميليشيا "حزب الله"، ولاحقاً بدأ توزيع جديد للقواعد والنقاط الروسية بعد عام 2016 ليصل عددها إلى 170 قاعدة ونقطة، عدا عن القواعد الأمريكية شرق البلاد والقواعد التركية شمالاً.
يوضح الباحث السياسي د. حمزة المحيمد أن دمشق أنهت منذ اللحظات الأولى لعملية "ردع العدوان" النفوذ الإيراني في سوريا، والذي كان يتخذ من البلاد ممراً وذراعاً لتنفيذ أجندته الإقليمية، وبناءً عليه انحسر النفوذ الإيراني وخسر أبرز أذرعه في المنطقة، كما تقلصت القواعد والنقاط العسكرية الروسية من 170 نقطة إلى نقطتين فقط في اللاذقية وطرطوس لأغراض تدريبية وليست عسكرية ذات مهام استراتيجية.
من جانبه، لفت المحلل السياسي عبد الله الحمد إلى أن هذا المسار امتد ليصل إلى القواعد الحليفة لسوريا، بما في ذلك القواعد الأمريكية التي انسحبت من معظم نقاطها تدريجياً بعد عملية الاندماج التدريجي لقوات "قسد"، وغادرت الأراضي السورية بعد تسليم معسكراتها للجيش السوري، وينطبق الأمر ذاته على القواعد العسكرية التركية التي دخلت سوريا لحماية حدودها والمدنيين خلال فترة الثورة، وهو ما أشار إليه الرئيس الشرع صراحة بانتفاء الحاجة إلى وجودها.
غير أن الحمد نوه إلى أن مسألة إخراج القواعد العسكرية لا ترتبط بالترتيب أو الأولوية بحد ذاتهما، بل بالقدرة السياسية للقيادة الجديدة على إدارة المشهد العسكري والأمني، وقد انعكس ذلك على الشراكة الاستراتيجية بين دمشق وواشنطن وأنقرة من حيث التعاون في مختلف الملفات، إذ أصبحت دمشق إحدى دول التحالف في مكافحة الإرهاب وشريكاً استراتيجياً لواشنطن، كما تعمل أنقرة عبر الاتفاقيات والتفاهمات المشتركة على دعم المنظومة العسكرية والأمنية والمؤسساتية في سوريا.
قواعد الاحتلال الإسرائيلي
شكل الدخول الإسرائيلي إلى الأراضي السورية بعد سقوط النظام نقطة تحول فارقة في الصراع السوري-الإسرائيلي، إذ باتت إسرائيل تستند إلى عدد من القواعد العسكرية الممتدة من جبل الشيخ بريف دمشق الغربي وصولاً إلى ريف درعا الغربي.
يشير الباحث السياسي د. المحيمد إلى أن دمشق وجهت رسائل سياسية مؤخراً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد رفضها المستمر لوجود هذه القواعد، وتطالب دوماً بعودة التواجد الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر 2024، وفقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
فيما ينوه المحلل الحمد إلى أهمية وجود القواعد الأممية على الأراضي السورية وضرورة تفعيلها، نظراً لقدرتها بموجب القانون وصلاحيات مجلس الأمن على ردع أي تمادٍ أو تمدد إسرائيلي تجاه الأراضي السورية، إلا أن القرار الدولي لا يزال معطلاً وغير نافذ بحق إسرائيل نتيجة الحماية الغربية والأمريكية، ما يجعل القوات الأممية عاجزة عن تنفيذ مهامها بالشكل المطلوب، على الرغم من أن وجودها يظل هاماً وضرورياً لمنح الشرعية للوجود العسكري والدولة السورية في الجنوب.
رسمت زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك ملامح واضحة للسياسة الخارجية التي تنتهجها دمشق في علاقاتها الدولية، إذ طرحت دمشق رؤيتها بشكل تفصيلي، لاسيما فيما يتعلق بمستقبل القواعد الأجنبية على الأراضي السورية، والكشف عن استراتيجية "صفر قواعد" في البلاد، والتي كانت قبل أقل من عامين مركزاً متعدداً لقواعد دول أجنبية تمتد من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها.
تشير رؤية الرئيس الشرع التي طرحها في جلسة المجلس الأطلسي (Atlantic Council) بمدينة نيويورك 22 أيلول 2026، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى التوجه السوري لإخلاء القواعد الأجنبية من البلاد، والحفاظ على الوحدة الوطنية، والتعاون مع جميع الدول لتمكين الدولة السورية من استعادة وحدة أراضيها واستقلالها، ما يعني أن هذا التوجه سيشمل الدول الصديقة أيضاً.
أسباب سياسية
بدأت سوريا منذ عملية "ردع العدوان" تفكيك القواعد الأجنبية على أراضيها، حيث انسحبت دول إقليمية من الساحة السورية، وتضاءلت أدوار أخرى، فيما تمددت إسرائيل جنوباً، وخلال المرحلة الانتقالية، دشنت دمشق مساراً متكاملاً لإنهاء التواجد الأجنبي بشكل تدريجي رغم العديد من المعوقات التي تحيط بهذه العملية.
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي عبد الله الحمد أن تفكيك وإخراج القواعد والقوات الأجنبية من الأراضي السورية يشكل ركيزة أساسية لدعم وتوحيد القرار السيادي السوري، سواء على المستوى السياسي والعسكري، كما يحمي البلاد من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لافتاً إلى أن وجود الجيوش الأجنبية يفرض ضغوطاً ويشوش متخذ القرار الأمني والعسكري والدبلوماسي في البلاد.
وأشار الحمد إلى أنه على الرغم من استراتيجية دمشق القاضية بإزالة القواعد الأجنبية، إلا أنها حافظت على شراكات سياسية وعسكرية مع دول الجوار المتاخمة لحدودها، بما في ذلك تركيا والأردن والعراق، فضلاً عن شراكة دولية تجسدت بانضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث السياسي د. حمزة المحيمد أن التواجد الأجنبي على الأراضي السورية يتطلب مسارات تشريعية لإقراره وتحديد طبيعته، وتأسيس شراكات وفق أطر قانونية ودستورية، وتلك مسؤولية تقع على عاتق مجلس الشعب لتنظيم وجود القواعد أو التدريبات العسكرية الخارجية، وهو ما يندرج ضمن رؤية دمشق المتعلقة بفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإنهاء مركزية القرار السياسي.
خارطة القواعد الأجنبية
تحولت سوريا خلال سنوات الثورة السورية إلى بقعة جغرافية تعددت فيها القواعد الأجنبية نتيجة لظروف هيّأها نظام المخلوع، إذ منح إيران نفوذاً غير محدود، وما تبع ذلك من استقدام قوات أجنبية تحت إدارتها، إضافة إلى ميليشيا "حزب الله"، ولاحقاً بدأ توزيع جديد للقواعد والنقاط الروسية بعد عام 2016 ليصل عددها إلى 170 قاعدة ونقطة، عدا عن القواعد الأمريكية شرق البلاد والقواعد التركية شمالاً.
يوضح الباحث السياسي د. حمزة المحيمد أن دمشق أنهت منذ اللحظات الأولى لعملية "ردع العدوان" النفوذ الإيراني في سوريا، والذي كان يتخذ من البلاد ممراً وذراعاً لتنفيذ أجندته الإقليمية، وبناءً عليه انحسر النفوذ الإيراني وخسر أبرز أذرعه في المنطقة، كما تقلصت القواعد والنقاط العسكرية الروسية من 170 نقطة إلى نقطتين فقط في اللاذقية وطرطوس لأغراض تدريبية وليست عسكرية ذات مهام استراتيجية.
من جانبه، لفت المحلل السياسي عبد الله الحمد إلى أن هذا المسار امتد ليصل إلى القواعد الحليفة لسوريا، بما في ذلك القواعد الأمريكية التي انسحبت من معظم نقاطها تدريجياً بعد عملية الاندماج التدريجي لقوات "قسد"، وغادرت الأراضي السورية بعد تسليم معسكراتها للجيش السوري، وينطبق الأمر ذاته على القواعد العسكرية التركية التي دخلت سوريا لحماية حدودها والمدنيين خلال فترة الثورة، وهو ما أشار إليه الرئيس الشرع صراحة بانتفاء الحاجة إلى وجودها.
غير أن الحمد نوه إلى أن مسألة إخراج القواعد العسكرية لا ترتبط بالترتيب أو الأولوية بحد ذاتهما، بل بالقدرة السياسية للقيادة الجديدة على إدارة المشهد العسكري والأمني، وقد انعكس ذلك على الشراكة الاستراتيجية بين دمشق وواشنطن وأنقرة من حيث التعاون في مختلف الملفات، إذ أصبحت دمشق إحدى دول التحالف في مكافحة الإرهاب وشريكاً استراتيجياً لواشنطن، كما تعمل أنقرة عبر الاتفاقيات والتفاهمات المشتركة على دعم المنظومة العسكرية والأمنية والمؤسساتية في سوريا.
قواعد الاحتلال الإسرائيلي
شكل الدخول الإسرائيلي إلى الأراضي السورية بعد سقوط النظام نقطة تحول فارقة في الصراع السوري-الإسرائيلي، إذ باتت إسرائيل تستند إلى عدد من القواعد العسكرية الممتدة من جبل الشيخ بريف دمشق الغربي وصولاً إلى ريف درعا الغربي.
يشير الباحث السياسي د. المحيمد إلى أن دمشق وجهت رسائل سياسية مؤخراً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد رفضها المستمر لوجود هذه القواعد، وتطالب دوماً بعودة التواجد الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر 2024، وفقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
فيما ينوه المحلل الحمد إلى أهمية وجود القواعد الأممية على الأراضي السورية وضرورة تفعيلها، نظراً لقدرتها بموجب القانون وصلاحيات مجلس الأمن على ردع أي تمادٍ أو تمدد إسرائيلي تجاه الأراضي السورية، إلا أن القرار الدولي لا يزال معطلاً وغير نافذ بحق إسرائيل نتيجة الحماية الغربية والأمريكية، ما يجعل القوات الأممية عاجزة عن تنفيذ مهامها بالشكل المطلوب، على الرغم من أن وجودها يظل هاماً وضرورياً لمنح الشرعية للوجود العسكري والدولة السورية في الجنوب.


