سوريا - اقتصاد
من يبتلع آلاف الدولارات في سوق العقارات السورية؟
من مئات الدولارات إلى آلافها للمتر الواحد بين منطقة وأخرى.. سوق تتداخل فيها كلفة البناء مع قيمة الأرض والطلب الاستثماري، فيما تضع إعادة الإعمار حقوق المالكين الأصليين أمام اختبار جديد
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٨ نوفمبر ٢٠٢٦، ٢٠:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد امتلاك منزل في سوريا مسألة تتعلق بتأمين دخل ثابت أو الادخار لسنوات، بل بات تحدياً يتجاوز قدرة شرائح واسعة من المواطنين.
في سوق تتفاوت فيها أسعار العقارات بصورة حادة بين منطقة وأخرى، وتتحرك فيها الأسعار وفق عوامل لا تقتصر على كلفة البناء، بل تشمل قيمة الأرض والموقع والوضع التنظيمي وحجم الطلب وتوقعات المستثمرين.
ففي بعض المواقع المميزة من المزة وكفرسوسة وأبو رمانة في دمشق، تصل أسعار العرض إلى ما بين 2000 و4000 دولار للمتر المربع في بعض الأبنية الحديثة، بينما تتراوح في قدسيا وجرمانا بين 800 و1200 دولار، وفق تقديرات ميدانية لعاملين في السوق العقارية.
ففي بعض المواقع المميزة من المزة وكفرسوسة وأبو رمانة في دمشق، تصل أسعار العرض إلى ما بين 2000 و4000 دولار للمتر المربع في بعض الأبنية الحديثة، بينما تتراوح في قدسيا وجرمانا بين 800 و1200 دولار، وفق تقديرات ميدانية لعاملين في السوق العقارية.
وفي داريا، تتباين الأسعار بدورها بصورة كبيرة، إذ تصل في بعض المناطق المنظمة إلى نحو 500 دولار للمتر، مقابل 150 إلى 200 دولار في مناطق أخرى، تبعاً لموقع العقار ووضعه التنظيمي والقانوني.
هذه الأرقام لا تمثل متوسطات رسمية أو أسعار صفقات منجزة، بل مؤشرات لأسعار العرض المتداولة، لكنها تكشف حجم التفاوت داخل السوق العقارية، وتطرح تساؤلات حول العوامل التي تحدد قيمة المتر، ومدى ارتباطها بكلفة البناء الفعلية والقدرة الشرائية للمواطنين.
أسعار لا تعكس كلفة البناء وحدها
تتباين كلفة إنشاء العقارات بحسب الموقع وطبيعة الأرض ونوعية المواد ومستوى الإكساء، إذ تشير تقديرات منشورة وميدانية إلى أنّ كلفة المتر المربع على الهيكل قد تتراوح بين 150 و350 دولاراً، فيما تتراوح كلفة البناء المكتمل مع الإكساء، من دون احتساب الأرض، بين نحو 350 و650 دولاراً للمتر، وفق مستوى التنفيذ والمواصفات المعتمدة.
ويؤكد متعهدون في السوق أن هذه الكلفة لا يمكن التعامل معها بوصفها رقماً ثابتاً، إذ تتأثر بعوامل متعددة، من بينها طبيعة التربة التي قد تفرض أعمال تأسيس إضافية، وبعد موقع المشروع عن مصادر المواد، وكلفة نقلها، فضلاً عن تفاوت أسعار الحديد والإسمنت والمواد المستوردة.
ويشير أحد المتعهدين العاملين في غوطة دمشق إلى أن كلفة الهيكل الخرساني تتأثر بصورة مباشرة بأسعار الحديد، الذي يشكل نحو 25 إلى 30 في المئة من كلفته، لافتاً إلى أن النقل قد يضيف ما بين 12 و18 في المئة إلى كلفة بعض المواد في المناطق البعيدة.
لكن كلفة البناء، مهما ارتفعت، لا تفسر وحدها السعر النهائي للعقار. فالأرض تمثل عنصراً أساسياً في تحديد القيمة، ولا سيما في المناطق التي تتمتع بموقع مميز أو ببنية خدمية أفضل أو بوضع تنظيمي مستقر.
الدولار مرجع للتسعير
على الرغم من أن التعاملات اليومية في السوق السورية تتم بالليرة، لا يزال الدولار مرجعاً أساسياً في تسعير العقارات، وهو ما يجعل الأسعار شديدة التأثر بتوقعات المتعاملين بشأن سعر الصرف، فضلاً عن اعتباره وسيلة لحفظ قيمة المدخرات في ظل تقلبات العملة.
وفي جولة" للعين السورية "على السوق العقارية وجدنا إن الطلب لا يرتبط فقط بالأسر الباحثة عن مسكن، بل يشمل أيضاً مغتربين وعائدين ونازحين فقدوا منازلهم، إلى جانب مستثمرين ينظرون إلى العقار باعتباره أصلاً يمكن الاحتفاظ به أو إعادة بيعه لاحقاً.
ويؤدي هذا التداخل بين الطلب السكني والاستثماري إلى توسيع الفجوة بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية المحلية، خصوصاً أن جزءاً من الطلب يستند إلى مدخرات أو دخول مرتبطة بالعملات الأجنبية، في حين تعتمد غالبية الأسر السورية على دخول محلية محدودة.
وتختلف خيارات الشراء بدورها بين العقارات الجاهزة وتلك التي لا تزال قيد الإنشاء. فالعقار الجاهز يتيح الانتقال الفوري، لكنه قد يُعرض بسعر أعلى من العقارات المشابهة المتداولة في السوق، في حين تسمح المشاريع قيد الإنشاء بتوزيع الدفعات على مراحل، لكنها تحمل مخاطر مرتبطة بقدرة المطور على الالتزام بمواعيد التسليم والمواصفات المتفق عليها.
وفي بعض الصفقات، حسب_ المكاتب العقارية _تصل عمولة الوساطة المتداولة إلى 2.5 في المئة وفق الاتفاق بين الأطراف، ما يعني أن عمولة عقار بقيمة 70 ألف دولار قد تبلغ 1750 دولاراً، من دون أن يشكل ذلك قاعدة ثابتة لجميع التعاملات.
دخل محدود وأسعار بالدولار
الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى يرى في حديثه لـ"لعين السورية" أنّ الفجوة في سوق العقارات تظهر أوضح عند مقارنة أسعار العقارات بمستويات الدخل.
المشاريع.. بين الاستثمار وحاجة السوق
في مقابل محدودية القدرة الشرائية، تتجه السوق نحو مشاريع عقارية كبيرة تعتمد على الشراكات والاستثمار الخارجي، وتقدم نفسها باعتبارها جزءاً من مسار تحديث القطاع السكني وتوسيع المعروض.
وفي هذا السياق، يوضح المهندس عمر الخطاب، مدير مشروع عقاري جديد في ريف دمشق، أنّ المشروع يمتد على مساحة تقارب 400 ألف متر مربع، وأن أكثر من 65 في المئة من مساحته مخصص للخدمات والمرافق، مشيراً إلى بيع نحو ألفي وحدة خلال 18 ساعة من طرحها.
ويشرح أنّ المشروع يقوم على شراكة مع المؤسسة العامة للإسكان، تقدم المؤسسة بموجبها الأرض، فيما تتولى الشركة أعمال الإنشاء والإكساء والتسليم.
وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو استقطاب استثمارات قادرة على تنفيذ مجمعات سكنية متكاملة، إلا أن حجم الإقبال عليها لا يجيب وحده عن سؤال مدى ملاءمة أسعارها لدخول غالبية الأسر السورية، ولا عن قدرتها على معالجة النقص في السكن الميسر.
فزيادة المعروض العقاري لا تعني بالضرورة زيادة الوحدات المتاحة للشرائح الأكثر حاجة، إذا تركزت المشاريع في الفئات السعرية المرتفعة، أو إذا لم تترافق مع برامج تمويل وشروط بيع تتناسب مع مستويات الدخل المحلية.
المساحات المشتركة.. نزاعات تبدأ من عقد البيع
ولا تقتصر الإشكالات العقارية على تحديد السعر، بل تمتد إلى تفاصيل التعاقد بين المطور والمشتري، ولا سيما ما يتعلق بالمساحة المبيعة وآلية احتسابها.
ويلفت الأمين العام للاتحاد العربي للاستثمار، الدكتور أيمن كامل النجار لـ"العين السورية"، إلى وجود إشكالات في بعض العقود تتعلق بالتمييز بين المساحة الصافية للوحدة والمساحة الإجمالية التي تدخل فيها حصة المشتري من الأجزاء المشتركة، مثل الممرات والمداخل والمرافق العامة..
وتبرز أهمية هذا التمييز عند احتساب السعر النهائي للمتر، إذ قد يجد المشتري نفسه أمام مساحة فعلية قابلة للاستخدام تقل عن المساحة التي اعتمد عليها في تقدير قيمة العقار، إذا لم تكن طريقة الاحتساب واضحة منذ البداية.
كما تشمل النزاعات المحتملة تأخر التسليم، وعدم مطابقة المواصفات المتفق عليها، والتباين بين ما يرد في الإعلانات والعقود وما ينفذ فعلياً على أرض المشروع.
وتضع هذه الإشكالات مسؤولية إضافية على الجهات المعنية في تنظيم العقود وتعزيز الشفافية، بحيث يعرف المشتري بصورة مسبقة المساحة الصافية والمساحة الإجمالية، وطبيعة الخدمات المشتركة، ومواصفات البناء، والجدول الزمني للتسليم، والجزاءات المترتبة على الإخلال بالاتفاق.
إعادة الإعمار.. لمن ؟
قد تتجاوز أزمة العقارات في سوريا مسألة الأسعار وكلفة البناء، لتصل إلى أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب: مصير أصحاب الملكيات في المناطق المتضررة، والخيارات المتاحة أمامهم بين إعادة البناء وفق الوضع السابق أو الدخول في مشاريع إعادة تنظيم وتطوير عمراني.
ويضع المهندس أحمد أبو طوق، رئيس نقابة المهندسين بدمشق، في حديث لـ"العين السورية" ملف العقار في إطار مفاضلة معقدة بين مسارين؛ الأول يقوم على إعادة البناء وفق الوضع السابق، بما يحافظ على الملكيات القائمة والارتباط الاجتماعي للسكان بأحيائهم، والثاني يعتمد إعادة التنظيم والتطوير، بما قد يتيح إنشاء بنية تحتية أفضل وتجمعات عمرانية أكثر حداثة، لكنه يثير في المقابل أسئلة تتعلق بمصير المالكين الأصليين وقدرتهم على العودة إلى مناطقهم.
فإعادة البناء حسب" أبو طوق "بالشكل السابق قد تحفظ حقوق الملكية والهوية الاجتماعية للمناطق، لكنها قد تعيد إنتاج مشكلات عمرانية قديمة، من بينها ضعف البنية التحتية والازدحام والعشوائيات. أما إعادة التنظيم، فعلى الرغم من أنها قد تتيح تخطيطاً عمرانياً أكثر كفاءة، فإنها قد تؤدي إلى تغيير طبيعة المنطقة وتركيبتها السكنية، ولا سيما إذا انتهت إلى إنشاء وحدات مرتفعة الكلفة لا يستطيع أصحاب العقارات الأصليون تحملها.
وتزداد حساسية هذا التحدي في ظل تعقيدات الملكيات، وفقدان بعض الوثائق والسجلات، وتعدد أصحاب الحقوق والورثة، ما يجعل تثبيت الملكيات ومعالجة النزاعات شرطاً أساسياً قبل المضي في أي مشروع تطوير واسع.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بكيفية بناء مساكن جديدة، بل بكيفية ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مسار يفصل السكان عن مناطقهم بسبب ارتفاع كلفة العودة أو تغير طبيعة الملكية والاستفادة من العقار.
واضاف ان هذه المسألة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى حجم الأضرار التي خلفتها الحرب. فقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، منها نحو 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 ملياراً للمباني غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة السكن لا يمكن معالجتها من خلال تشييد وحدات جديدة فقط، بل تتطلب مقاربة تجمع بين إعادة تأهيل المباني المتضررة، وتوسيع المعروض السكني، وتطوير البنية التحتية، وحماية حقوق المالكين، وضمان أن تكون الوحدات الجديدة قابلة للشراء أو الاستئجار من قبل الفئات التي تحتاج إليها.
سوق تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحاً
فبين ارتفاع أسعار العرض، وتفاوت كلف البناء، ومحدودية الأراضي المنظمة، وتداخل الطلب السكني والاستثماري، تبدو السوق العقارية السورية أمام تحديات تتجاوز قدرة أي إجراء منفرد على معالجتها.
فزيادة المشاريع الاستثمارية قد توسع المعروض، لكنها لن تضمن وحدها خفض الأسعار أو توفير مساكن ميسرة.
هذه الأرقام لا تمثل متوسطات رسمية أو أسعار صفقات منجزة، بل مؤشرات لأسعار العرض المتداولة، لكنها تكشف حجم التفاوت داخل السوق العقارية، وتطرح تساؤلات حول العوامل التي تحدد قيمة المتر، ومدى ارتباطها بكلفة البناء الفعلية والقدرة الشرائية للمواطنين.
أسعار لا تعكس كلفة البناء وحدها
تتباين كلفة إنشاء العقارات بحسب الموقع وطبيعة الأرض ونوعية المواد ومستوى الإكساء، إذ تشير تقديرات منشورة وميدانية إلى أنّ كلفة المتر المربع على الهيكل قد تتراوح بين 150 و350 دولاراً، فيما تتراوح كلفة البناء المكتمل مع الإكساء، من دون احتساب الأرض، بين نحو 350 و650 دولاراً للمتر، وفق مستوى التنفيذ والمواصفات المعتمدة.
ويؤكد متعهدون في السوق أن هذه الكلفة لا يمكن التعامل معها بوصفها رقماً ثابتاً، إذ تتأثر بعوامل متعددة، من بينها طبيعة التربة التي قد تفرض أعمال تأسيس إضافية، وبعد موقع المشروع عن مصادر المواد، وكلفة نقلها، فضلاً عن تفاوت أسعار الحديد والإسمنت والمواد المستوردة.
ويشير أحد المتعهدين العاملين في غوطة دمشق إلى أن كلفة الهيكل الخرساني تتأثر بصورة مباشرة بأسعار الحديد، الذي يشكل نحو 25 إلى 30 في المئة من كلفته، لافتاً إلى أن النقل قد يضيف ما بين 12 و18 في المئة إلى كلفة بعض المواد في المناطق البعيدة.
لكن كلفة البناء، مهما ارتفعت، لا تفسر وحدها السعر النهائي للعقار. فالأرض تمثل عنصراً أساسياً في تحديد القيمة، ولا سيما في المناطق التي تتمتع بموقع مميز أو ببنية خدمية أفضل أو بوضع تنظيمي مستقر.
كما أن محدودية الأراضي المنظمة، وتفاوت أوضاع الملكية والتراخيص، تجعل المقارنة بين عقارين متقاربين في المساحة غير كافية لتفسير اختلاف السعر بينهما.
وتدخل في المعادلة أيضاً تكاليف الترخيص والرسوم والخدمات المشتركة والتمويل والوساطة العقارية، إضافة إلى مخاطر تقلب سعر الصرف، وهي عوامل تختلف من مشروع إلى آخر ولا يمكن جمعها في نسبة واحدة تنطبق على جميع العقارات.
وتدخل في المعادلة أيضاً تكاليف الترخيص والرسوم والخدمات المشتركة والتمويل والوساطة العقارية، إضافة إلى مخاطر تقلب سعر الصرف، وهي عوامل تختلف من مشروع إلى آخر ولا يمكن جمعها في نسبة واحدة تنطبق على جميع العقارات.
الدولار مرجع للتسعير
على الرغم من أن التعاملات اليومية في السوق السورية تتم بالليرة، لا يزال الدولار مرجعاً أساسياً في تسعير العقارات، وهو ما يجعل الأسعار شديدة التأثر بتوقعات المتعاملين بشأن سعر الصرف، فضلاً عن اعتباره وسيلة لحفظ قيمة المدخرات في ظل تقلبات العملة.
وفي جولة" للعين السورية "على السوق العقارية وجدنا إن الطلب لا يرتبط فقط بالأسر الباحثة عن مسكن، بل يشمل أيضاً مغتربين وعائدين ونازحين فقدوا منازلهم، إلى جانب مستثمرين ينظرون إلى العقار باعتباره أصلاً يمكن الاحتفاظ به أو إعادة بيعه لاحقاً.
ويؤدي هذا التداخل بين الطلب السكني والاستثماري إلى توسيع الفجوة بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية المحلية، خصوصاً أن جزءاً من الطلب يستند إلى مدخرات أو دخول مرتبطة بالعملات الأجنبية، في حين تعتمد غالبية الأسر السورية على دخول محلية محدودة.
وتختلف خيارات الشراء بدورها بين العقارات الجاهزة وتلك التي لا تزال قيد الإنشاء. فالعقار الجاهز يتيح الانتقال الفوري، لكنه قد يُعرض بسعر أعلى من العقارات المشابهة المتداولة في السوق، في حين تسمح المشاريع قيد الإنشاء بتوزيع الدفعات على مراحل، لكنها تحمل مخاطر مرتبطة بقدرة المطور على الالتزام بمواعيد التسليم والمواصفات المتفق عليها.
وفي بعض الصفقات، حسب_ المكاتب العقارية _تصل عمولة الوساطة المتداولة إلى 2.5 في المئة وفق الاتفاق بين الأطراف، ما يعني أن عمولة عقار بقيمة 70 ألف دولار قد تبلغ 1750 دولاراً، من دون أن يشكل ذلك قاعدة ثابتة لجميع التعاملات.
دخل محدود وأسعار بالدولار
الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى يرى في حديثه لـ"لعين السورية" أنّ الفجوة في سوق العقارات تظهر أوضح عند مقارنة أسعار العقارات بمستويات الدخل.
فإذا افترضنا أنّ دخل أسرة يبلغ 300 دولار شهرياً، وأنّها تستطيع ادخار كامل هذا الدخل من دون إنفاق أي جزء منه على المعيشة، فإن شراء منزل بقيمة 50 ألف دولار يحتاج إلى نحو 14 عاماً، فيما يرتفع الزمن إلى أكثر من 18 عاماً لمنزل بقيمة 65 ألف دولار، ويصل إلى 20 عاماً لشراء عقار بقيمة 72 ألف دولار.
وهذه حسابات افتراضية لا تأخذ في الاعتبار تكاليف المعيشة أو تغير الأسعار والدخل خلال سنوات الادخار، لكنها توضح المسافة بين أسعار العرض والقدرة الفعلية لشريحة واسعة من الأسر على التملك.
بدوره يرى الخبير الاقتصادي والمستشار في الشأن العقاري مجدي جاموس أن استمرار الطلب يرتبط بعوامل متداخلة، من بينها عودة المغتربين، وفقدان عدد من الأسر لمنازلها، والنزوح الداخلي، إلى جانب محدودية الأراضي المنظمة وقلة المشاريع السكنية القادرة على تلبية احتياجات شرائح الدخل المختلفة.
ويشير إلى أنّ الشركات العقارية تتجه في كثير من الأحيان إلى استهداف أصحاب الدخول المرتفعة، نظراً إلى ارتفاع كلف المشاريع ومخاطر الاستثمار، في حين لا تزال الحاجة كبيرة إلى وحدات سكنية تتناسب مع القدرة الشرائية للشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل.
ويقدّر جاموس أن يبقى الطلب أعلى من العرض خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أن دخول شركات جديدة وزيادة المعروض قد يسهمان في الوصول إلى قدر أكبر من التوازن بعد عام 2027، إذا تحققت الشروط اللازمة لتوسيع النشاط العقاري.
وهذه حسابات افتراضية لا تأخذ في الاعتبار تكاليف المعيشة أو تغير الأسعار والدخل خلال سنوات الادخار، لكنها توضح المسافة بين أسعار العرض والقدرة الفعلية لشريحة واسعة من الأسر على التملك.
بدوره يرى الخبير الاقتصادي والمستشار في الشأن العقاري مجدي جاموس أن استمرار الطلب يرتبط بعوامل متداخلة، من بينها عودة المغتربين، وفقدان عدد من الأسر لمنازلها، والنزوح الداخلي، إلى جانب محدودية الأراضي المنظمة وقلة المشاريع السكنية القادرة على تلبية احتياجات شرائح الدخل المختلفة.
ويشير إلى أنّ الشركات العقارية تتجه في كثير من الأحيان إلى استهداف أصحاب الدخول المرتفعة، نظراً إلى ارتفاع كلف المشاريع ومخاطر الاستثمار، في حين لا تزال الحاجة كبيرة إلى وحدات سكنية تتناسب مع القدرة الشرائية للشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل.
ويقدّر جاموس أن يبقى الطلب أعلى من العرض خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أن دخول شركات جديدة وزيادة المعروض قد يسهمان في الوصول إلى قدر أكبر من التوازن بعد عام 2027، إذا تحققت الشروط اللازمة لتوسيع النشاط العقاري.
المشاريع.. بين الاستثمار وحاجة السوق
في مقابل محدودية القدرة الشرائية، تتجه السوق نحو مشاريع عقارية كبيرة تعتمد على الشراكات والاستثمار الخارجي، وتقدم نفسها باعتبارها جزءاً من مسار تحديث القطاع السكني وتوسيع المعروض.
وفي هذا السياق، يوضح المهندس عمر الخطاب، مدير مشروع عقاري جديد في ريف دمشق، أنّ المشروع يمتد على مساحة تقارب 400 ألف متر مربع، وأن أكثر من 65 في المئة من مساحته مخصص للخدمات والمرافق، مشيراً إلى بيع نحو ألفي وحدة خلال 18 ساعة من طرحها.
ويشرح أنّ المشروع يقوم على شراكة مع المؤسسة العامة للإسكان، تقدم المؤسسة بموجبها الأرض، فيما تتولى الشركة أعمال الإنشاء والإكساء والتسليم.
وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو استقطاب استثمارات قادرة على تنفيذ مجمعات سكنية متكاملة، إلا أن حجم الإقبال عليها لا يجيب وحده عن سؤال مدى ملاءمة أسعارها لدخول غالبية الأسر السورية، ولا عن قدرتها على معالجة النقص في السكن الميسر.
فزيادة المعروض العقاري لا تعني بالضرورة زيادة الوحدات المتاحة للشرائح الأكثر حاجة، إذا تركزت المشاريع في الفئات السعرية المرتفعة، أو إذا لم تترافق مع برامج تمويل وشروط بيع تتناسب مع مستويات الدخل المحلية.
المساحات المشتركة.. نزاعات تبدأ من عقد البيع
ولا تقتصر الإشكالات العقارية على تحديد السعر، بل تمتد إلى تفاصيل التعاقد بين المطور والمشتري، ولا سيما ما يتعلق بالمساحة المبيعة وآلية احتسابها.
ويلفت الأمين العام للاتحاد العربي للاستثمار، الدكتور أيمن كامل النجار لـ"العين السورية"، إلى وجود إشكالات في بعض العقود تتعلق بالتمييز بين المساحة الصافية للوحدة والمساحة الإجمالية التي تدخل فيها حصة المشتري من الأجزاء المشتركة، مثل الممرات والمداخل والمرافق العامة..
وتبرز أهمية هذا التمييز عند احتساب السعر النهائي للمتر، إذ قد يجد المشتري نفسه أمام مساحة فعلية قابلة للاستخدام تقل عن المساحة التي اعتمد عليها في تقدير قيمة العقار، إذا لم تكن طريقة الاحتساب واضحة منذ البداية.
كما تشمل النزاعات المحتملة تأخر التسليم، وعدم مطابقة المواصفات المتفق عليها، والتباين بين ما يرد في الإعلانات والعقود وما ينفذ فعلياً على أرض المشروع.
وتضع هذه الإشكالات مسؤولية إضافية على الجهات المعنية في تنظيم العقود وتعزيز الشفافية، بحيث يعرف المشتري بصورة مسبقة المساحة الصافية والمساحة الإجمالية، وطبيعة الخدمات المشتركة، ومواصفات البناء، والجدول الزمني للتسليم، والجزاءات المترتبة على الإخلال بالاتفاق.
إعادة الإعمار.. لمن ؟
قد تتجاوز أزمة العقارات في سوريا مسألة الأسعار وكلفة البناء، لتصل إلى أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب: مصير أصحاب الملكيات في المناطق المتضررة، والخيارات المتاحة أمامهم بين إعادة البناء وفق الوضع السابق أو الدخول في مشاريع إعادة تنظيم وتطوير عمراني.
ويضع المهندس أحمد أبو طوق، رئيس نقابة المهندسين بدمشق، في حديث لـ"العين السورية" ملف العقار في إطار مفاضلة معقدة بين مسارين؛ الأول يقوم على إعادة البناء وفق الوضع السابق، بما يحافظ على الملكيات القائمة والارتباط الاجتماعي للسكان بأحيائهم، والثاني يعتمد إعادة التنظيم والتطوير، بما قد يتيح إنشاء بنية تحتية أفضل وتجمعات عمرانية أكثر حداثة، لكنه يثير في المقابل أسئلة تتعلق بمصير المالكين الأصليين وقدرتهم على العودة إلى مناطقهم.
فإعادة البناء حسب" أبو طوق "بالشكل السابق قد تحفظ حقوق الملكية والهوية الاجتماعية للمناطق، لكنها قد تعيد إنتاج مشكلات عمرانية قديمة، من بينها ضعف البنية التحتية والازدحام والعشوائيات. أما إعادة التنظيم، فعلى الرغم من أنها قد تتيح تخطيطاً عمرانياً أكثر كفاءة، فإنها قد تؤدي إلى تغيير طبيعة المنطقة وتركيبتها السكنية، ولا سيما إذا انتهت إلى إنشاء وحدات مرتفعة الكلفة لا يستطيع أصحاب العقارات الأصليون تحملها.
وتزداد حساسية هذا التحدي في ظل تعقيدات الملكيات، وفقدان بعض الوثائق والسجلات، وتعدد أصحاب الحقوق والورثة، ما يجعل تثبيت الملكيات ومعالجة النزاعات شرطاً أساسياً قبل المضي في أي مشروع تطوير واسع.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بكيفية بناء مساكن جديدة، بل بكيفية ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مسار يفصل السكان عن مناطقهم بسبب ارتفاع كلفة العودة أو تغير طبيعة الملكية والاستفادة من العقار.
واضاف ان هذه المسألة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى حجم الأضرار التي خلفتها الحرب. فقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، منها نحو 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 ملياراً للمباني غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة السكن لا يمكن معالجتها من خلال تشييد وحدات جديدة فقط، بل تتطلب مقاربة تجمع بين إعادة تأهيل المباني المتضررة، وتوسيع المعروض السكني، وتطوير البنية التحتية، وحماية حقوق المالكين، وضمان أن تكون الوحدات الجديدة قابلة للشراء أو الاستئجار من قبل الفئات التي تحتاج إليها.
سوق تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحاً
فبين ارتفاع أسعار العرض، وتفاوت كلف البناء، ومحدودية الأراضي المنظمة، وتداخل الطلب السكني والاستثماري، تبدو السوق العقارية السورية أمام تحديات تتجاوز قدرة أي إجراء منفرد على معالجتها.
فزيادة المشاريع الاستثمارية قد توسع المعروض، لكنها لن تضمن وحدها خفض الأسعار أو توفير مساكن ميسرة.
كما أنّ ضبط الرسوم أو كلف البناء لا يكفي إذا بقيت قيمة الأرض والمضاربة وتوقعات سعر الصرف عوامل مؤثرة في التسعير.
وتحتاج السوق، وفق هذه المعطيات، إلى بيانات أكثر شفافية عن أسعار الصفقات المنجزة، لا الاكتفاء بأسعار العرض، وإلى توضيح كلف البناء ومواصفات الوحدات والمساحات الصافية والإجمالية في العقود، فضلاً عن تعزيز الرقابة على التزامات المطورين وآليات حماية المشترين.
أما في ملف إعادة الإعمار، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الموازنة بين جذب الاستثمار وتحديث المدن من جهة، وصون حقوق المالكين الأصليين وضمان قدرتهم على العودة من جهة أخرى.
فالسؤال الذي يواجه السوق العقارية السورية لم يعد محصوراً في مقدار ما يحتاج إليه بناء المتر المربع، أو السعر الذي يمكن أن يصل إليه، بل بات مرتبطاً بمن يستطيع شراء هذا المتر، ومن يملك حق العودة إلى منزله، وما إذا كانت المدن التي يعاد بناؤها ستظل متاحة لسكانها أم ستصبح خارج قدرتهم الاقتصادية، ويبقى حلم التملك بعيداً عن المواطنين.
وتحتاج السوق، وفق هذه المعطيات، إلى بيانات أكثر شفافية عن أسعار الصفقات المنجزة، لا الاكتفاء بأسعار العرض، وإلى توضيح كلف البناء ومواصفات الوحدات والمساحات الصافية والإجمالية في العقود، فضلاً عن تعزيز الرقابة على التزامات المطورين وآليات حماية المشترين.
أما في ملف إعادة الإعمار، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الموازنة بين جذب الاستثمار وتحديث المدن من جهة، وصون حقوق المالكين الأصليين وضمان قدرتهم على العودة من جهة أخرى.
فالسؤال الذي يواجه السوق العقارية السورية لم يعد محصوراً في مقدار ما يحتاج إليه بناء المتر المربع، أو السعر الذي يمكن أن يصل إليه، بل بات مرتبطاً بمن يستطيع شراء هذا المتر، ومن يملك حق العودة إلى منزله، وما إذا كانت المدن التي يعاد بناؤها ستظل متاحة لسكانها أم ستصبح خارج قدرتهم الاقتصادية، ويبقى حلم التملك بعيداً عن المواطنين.


