سوريا - محليات
فُرص "دسمة" للاستثمار تبحث عمن يلتقطها .. مرافق معطلة وبؤر فوضى حتى إشعار آخر !
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ٢٣ يونيو ٢٠٢٦، ٠٨:١١
3 دقيقة

خلف البوابات الحديدية الصدئة لبعض الحدائق وبين الأرصفة المتشققة والألعاب المكسورة والأشجار اليابسة التي تقف بصمت في بعض المواقع، تتراكم أسئلة لا تبدو بسيطة ولا عابرة: كيف وصلت هذه المساحات إلى هذا الشكل؟ ولماذا بقي عدد كبير من حدائق المدينة خارج الخدمة أو في حالة إهمال ممتد؟ وهل يمكن اختزال المشهد بضعف الإمكانات فقط أم أن ما حدث هو نتيجة تراكم سنوات من الحرب والتوقف وتغير أولويات المدينة، وتراجع الاهتمام بالمرافق العامة؟
شاهد على سنوات الإهمال
في مدينة درعا لا تبدو أزمة الحدائق مسألة تجميل أو صيانة متأخرة بل جزءاً من صورة أوسع لمدينة فقدت تدريجياً جزءاً من مساحاتها العامة.
فخلال سنوات الحرب تعرضت البنية الخدمية لضغوط كبيرة وتوقفت مشاريع عديدة وتضررت مرافق أساسية فيما خرجت بعض الحدائق من الخدمة بشكل كامل أو جزئي. ومع مرور الوقت تحولت هذه المساحات من أماكن حياة يومية إلى مواقع مهملة أو محدودة الاستخدام، تحتاج اليوم إلى إعادة تأهيل شاملة تتجاوز حدود الصيانة الجزئية.
خواء
ورغم ذلك لا يتوقف المشهد عند حدود الإهمال الظاهر. ففي أكثر من موقع تبرز مفارقة لافتة ، إذ أصبح دوار البانوراما رغم أنه ليس حديقة عامة واحداً من أبرز أماكن تجمع الأهالي ليس لكونه مجهزاً أو مصمماً كمساحة ترفيه، بل لوجود بعض المسطحات العشبية والمقاعد التي تسمح للناس بالجلوس وقضاء بعض الوقت. هذا التحول يعكس بوضوح حجم الفراغ الذي تركته الحدائق وكيف أصبحت أي مساحة مفتوحة بديلًا مؤقتًا عن غياب الحديقة الحقيقية.
خيارات ضيقة
خنساء الرفاعي معلمة مدرسة من سكان حي الكاشف تقول لـ"العين السورية": إن المشكلة لم تعد مرتبطة بوجود الحدائق أو تحسينها فقط بل بكونها غائبة تقريباً عن الحياة اليومية منذ سنوات طويلة، مضيفة:
نحن لا نملك اليوم خيارات حقيقية للجلوس أو قضاء وقت مع الأطفال. أغلب الحدائق إما مغلقة أو بعيدة أو تحتاج إلى تأهيل وحتى عندما نذهب إلى أماكن مثل البانوراما نشعر أنها البديل الوحيد المتاح رغم أنه ليس مكانًا مخصصًا لذلك.
وتتابع: حتى الحدائق التي تم تأهيلها قليلة جداً ووصول الناس إليها ليس سهلًا دائماً ، وأحياناً عندما تذهب إليها تشعر وكأنك في مساحة شبه خاصة أكثر من كونها مكاناً عاماً كونها أصبحت في أيدي مستثمرين وهذا يحد من استخدامها بشكل طبيعي.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن مجموعة من العوامل المتداخلة التي تراكمت خلال سنوات الحرب وما بعدها حيث تضررت البنية التحتية وتراجعت ميزانيات الصيانة وتوقفت مشاريع إعادة التأهيل في أكثر من موقع ما جعل ملف الحدائق يتأخر أمام أولويات أخرى أكثر إلحاحاً.
ضعف إمكانات وضيق خيارات
يوضح المهندس محمد المقداد رئيس قسم رخص إشغال الأملاك العامة في مجلس مدينة درعا أن بقاء عدد من الحدائق خارج الخدمة يعود إلى ضعف الإمكانات المادية واللوجستية لدى البلدية وعدم قدرتها على تحمل تكاليف الترميم وإعادة التأهيل، إضافة إلى تأثير الظروف الأمنية السابقة التي أدت إلى تضرر وهجر عدد من المواقع.
استثمار خجول
وأضاف أن بعض الحدائق تحتاج إلى تكاليف ترميم مرتفعة لذلك جرى استثمار أجزاء منها فقط بينما بقيت الأجزاء غير المؤهلة خارج الخدمة ، مشيراً إلى أن البلدية لا تستطيع الاستثمار بشكل مباشر وأن تعليمات الوزارة تفرض ضوابط محددة على آلية الاستثمار داخل الحدائق.
وبين المقداد أن الاستثمار يقتصر على الأنشطة الخدمية والترفيهية مثل ألعاب الأطفال والأكشاك والكافيتيريات ويتم طرحه عبر مزادات رسمية وليس بالتراضي مع اشتراط بقاء دخول الحديقة مجانيًا وعدم تحويلها إلى منشآت ثابتة أو مشاريع تجارية تغيّر طبيعتها العامة.
أعباء قبل العائدات
لكن عند الانتقال إلى ملف الاستثمار تتضح عقدة أخرى لا تقل تعقيداً عن مشكلة الإهمال نفسها إذ يُفترض نظرياً أن يشكل الاستثمار وسيلة لإعادة إحياء الحدائق، عبر تأهيلها وتشغيلها إلا أن الواقع يكشف تحديات مختلفة على الأرض.
وعند تتبع هذا الملف تظهر صورة مغايرة للفكرة التقليدية التي تفترض أن المستثمر يدخل فقط لتحقيق أرباح إذ يتحول في كثير من الحالات إلى طرف يتحمل جزءًا كبيرًا من أعباء إعادة التأهيل
بسام أبو زرد مستثمر حديقة الزهور في حي شمال الخط بمدينة درعا يقول لـ " العين السورية": إن المكان الذي استلمه لم يكن حديقة بالمعنى الحقيقي بل مساحة مهملة تحولت مع مرور الوقت إلى ما يشبه مكباً للنفايات قبل أن يبدأ العمل على إعادة تأهيله بالكامل.
ويضيف أنه أنفق مبالغ كبيرة على تنظيف الموقع وتأهيله وتركيب ألعاب للأطفال وشراء الطاولات وأعمال الزرع وتأمين الكهرباء والخدمات الأساسية بهدف تحويله إلى متنفس للعائلات.
ويقول: المشكلة ليست في الاستثمار فقط بل في أننا بدأنا من الصفر تقريباً دفعت مبالغ كبيرة جداً من حسابي الشخصي دون أي دعم من أي جهة حكومية. وهناك أعمال أساسية كان من المفترض أن تُنفذ ضمن مسؤوليات الجهات المعنية، لكنني تحملت جزءاً كبيراً منها حتى يصبح المكان قابلًا للعمل.
تكاليف الصيانة
لكن التحديات بحسبه لا تتوقف عند مرحلة الإنشاء بل تبدأ بعدها بشكل يومي نتيجة تكاليف الصيانة المرتفعة والحاجة إلى متابعة مستمرة، إضافة إلى تعرض بعض المرافق والألعاب للتخريب أو الكسر، ما يضيف أعباء مالية إضافية بشكل دائم.
ويتابع: الناس تطالب بخدمات أكثر وهذا حقها لكن المحافظة على المكان مسؤولية الجميع. أحياناً نقوم بتركيب ألعاب جديدة أو إضافة تجهيزات أو زراعة أشجار وبعد فترة نجد جزءاًمنها تعرض للتخريب.
فوضى
وفي المقابل لا يمكن فصل هذا المشهد عن سلوك الاستخدام العام للمرافق إذ يرى محمود مكرم أحد سكان مدينة درعا، أن المشكلة لا تتعلق بالجهات الرسمية أو المستثمرين فقط بل أيضاً بطريقة تعامل الناس مع المرافق العامة، موضحاً أن أي مشروع لإعادة إحياء الحدائق يبقى هشاً إذا لم يتم الحفاظ عليه بشكل جماعي لأن الإهمال أو التخريب يعيد الأمور إلى نقطة البداية.
صور الماضي الكئيب
وفي خلفية المشهد تبقى هناك آثار أخرى ما تزال حاضرة بصورة غير مباشرة فبعض الحدائق ارتبطت خلال سنوات سابقة بواقع أمني مختلف جعلها تفقد دورها الطبيعي كمكان للراحة والتنزه قبل أن تتحول تدريجياً إلى مواقع مهجورة أو قليلة الاستخدام، الأمر الذي جعل ملف الحدائق واحداً من أكثر الملفات ارتباطا ً بإعادة بناء الحياة اليومية في المدينة.
فاليوم لا تبدو أزمة الحدائق مجرد نقص في الخدمات أو تأخر في المشاريع، بل قضية أعمق تتعلق بكيفية استعادة المساحات العامة لدورها داخل المدينة.
فدرعا التي تحاول إعادة تشكيل تفاصيل حياتها لا تحتاج فقط إلى حدائق جديدة أو مشاريع صيانة بل إلى رؤية شاملة تعيد لهذه المساحات معناها الحقيقي كمكان للحياة اليومية، لا كفراغ ينتظر من يعيد إليه الحياة.


