سوريا - محليات
درعا تُشعل أضواء الحياة في مضمار أطفأته آلة الحرب
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في المكان الذي بقيت جدرانه شاهدة على سنوات الحرب عادت الأضواء لتملأ ساحة السرايا لكن هذه المرة لم تكن أضواء عابرة كانت أضواء مهرجان وواجهات مضيئة وألعاب أطفال ووجوه عائلات خرجت لتتسوق وتلتقي وتستعيد شيئاً من الحياة التي غابت طويلاً.... هنا وسط الأبنية المتضررة اختارت درعا أن تبدأ من المكان الأكثر وجعاً لتقول إن المدينة قادرة على استعادة نبضها من جديد.
من 10 وحتى 24 آب تحتضن ساحة السرايا فعاليات مهرجان صيف حوران الأول 2026 بمشاركة أكثر من 100 جناح تجاري وترفيهي إلى جانب المطاعم وألعاب الأطفال والفعاليات اليومية وسط إقبال متزايد من الأهالي بلغ في يومه الثالث مستويات لافتة.
رمزية ودلالة
ولم يكن اختيار الموقع تفصيلاً عابراً فالساحة تقع في منطقة ما زالت آثار الدمار واضحة في أبنيتها ومحيطها. إلا أن منظمي المهرجان اختاروا أن تتحول هذه المساحة من مكان يحمل ذاكرة الحرب إلى نقطة تجمع للناس ، فيما أضفت الإضاءة الخاصة على الأبنية والشوارع المحيطة مشهداً مختلفاً مع حلول المساء وكأن المكان يستعيد ملامحه شيئاً فشيئاً.
وشهد المهرجان مشاركة واسعة من الفعاليات التجارية التي عرضت منتجات واحتياجات متنوعة بالتزامن مع عروض وحسومات خاصة ما أتاح للزوار خيارات متعددة وأسعاراً تشجيعية وسهم في تنشيط الحركة التجارية داخل المهرجان.
ويؤكد ممدوح المحاميد، وهو أحد المشاركين، لـ "العين السورية" أن تنوع المواد وتوافر مختلف الاحتياجات ضمن الأجنحة منح الزوار فرصة للتسوق من مكان واحد ، مشيراً إلى أن العروض والحسومات المقدمة من المشاركين ساعدت على زيادة الإقبال ولا سيما مع توافد العائلات للاستفادة من الأسعار المطروحة.
ومن بين المشاركين أيضاً عبد الرحمن عوض، الذي أشار إلى أن المشاركة جاءت بهدف التواصل مع الأهالي والتعريف بالمنتجات إلى جانب المساهمة في تنشيط الحركة التجارية في المنطقة. ولفت إلى أن الإقبال خلال اليوم الثالث كان ممتازاً مع حركة شراء واضحة ، خاصة في ظل العروض والتخفيضات التي تقدمها الجهات المشاركة ، معتبراً أن المهرجان أتاح للشركات والفعاليات التجارية فرصة للوصول إلى شريحة واسعة من المستهلكين.
وفي جناح آخر تحدث محمد المصري من سحم عن مشاركة الشركة في المهرجان من خلال مجموعة من منتجات المنظفات ، موضحاً أن الشركة اعتمدت أسعار الجملة إلى جانب حسم إضافي بنسبة 4.5 بالمئة لتصبح الأسعار أقل من السوق بنحو 7 بالمئة. وأشار إلى أن الإقبال كان محدوداً في اليوم الأول قبل أن يرتفع بشكل واضح في اليوم الثاني مع تزايد أعداد الزوار ، لافتاً إلى أن طبيعة المواد المعروضة باعتبارها من الاحتياجات اليومية أسهمت في جذب المتسوقين.
كما شاركت ريهام أبو عائشة في المهرجان ضمن أحد أجنحة الشيبس وقالت إن الإقبال كان كبيراً وإن حركة الزوار ازدادت مع استمرار أيام الفعالية ، مشيرة إلى أن العروض المقدمة أسهمت في جذب الناس وتشجيعهم على الشراء. ورأت أن عودة الأهالي إلى مثل هذه الفعاليات بعد سنوات صعبة تحمل دلالة مهمة لأنها تعكس رغبتهم في استعادة أجواء الحياة الطبيعية والحضور في الأماكن العامة.
تسوق واحتفال
وبالنسبة للزوار لم يكن المهرجان مجرد مساحة للتسوق تقول سمية أبو عاتوق ربة منزل إنها جاءت لشراء حوائج أبنائها المدرسية ووجدت تخفيضات لافتة وأسعاراً مناسبة. فيما أشارت نهال أبو زيد معلمة مدرسة من ريف درعا الغربي إلى أن تنوع المعروض والعروض المقدمة سهّلا عليها اختيار احتياجاتها. أما حسام الراجي فرأى أن الإقبال على المهرجان يعكس حاجة الأهالي إلى مثل هذه الفعاليات التي تعيد الحركة إلى المدينة وتمنح الناس مساحة للقاء وقضاء الوقت.
ترفيه أيضاً
وفي الجانب الترفيهي، حضرت ألعاب الأطفال بقوة. وكان محمد القاضي أحد المشاركين من خلال مجموعة ألعاب ملاهٍ كبيرة شغلت جناحاً واسعاً ضمن المهرجان. ويقول القاضي: إن أكثر ما يلفت انتباهه خلال ساعات العمل هو الفرحة في عيون الأطفال ، معتبراً أن وجودهم وإقبالهم على الألعاب هو أحد أجمل مشاهد المهرجان.
ويضيف أن مشاركة ألعاب الملاهي منحت الأطفال والعائلات مساحة للترفيه وساهمت في خلق أجواء أكثر حيوية داخل الفعالية بالتزامن مع الحركة التجارية التي شهدتها الأجنحة منذ اليوم الأول.
أما المواطن سعيد المسالمة، فيرى أن إقامة المهرجان في منطقة متضررة من مدينة درعا تحمل رسالة تتجاوز الجانب التسويقي، قائلاً إن من حق درعا أن تتنفس الصعداء بعد سنوات عجاف وأن تبدأ المدينة باستعادة نبضها.
ويشير المسالمة إلى أن آثار القصف والدمار لا تزال واضحة في المكان إلا أن عودة الناس إليه تحمل معنى مختلفاً، مضيفاً: اليوم درعا تنهض من بين هذا الركام ، ومؤكداً أن أبناء المدينة اختاروا إعادة الحياة إلى المكان لإيصال رسالة إلى العالم بأن درعا استعادت قدرتها على النهوض وأن القادم بإذن الله أجمل.
ومع حلول الليل تصبح الساحة أكثر حضوراً أضواء تكسو الأبنية المتضررة وأصوات الأطفال تختلط بحركة المتسوقين فيما تواصل المطاعم والأجنحة والفعاليات استقبال الزوار. صورة تختصر التحول الذي أراد المهرجان أن يصنعه: أن يتحول المكان الذي ارتبط في ذاكرة الناس بالدمار إلى مساحة للقاء والفرح والحركة.
إعادة إنعاش
ويأتي مهرجان صيف حوران الأول ضمن جهود إعادة تنشيط الحياة الاجتماعية والتجارية والثقافية في محافظة درعا بالتزامن مع توجه لإقامة المزيد من الفعاليات والمشاريع الثقافية وإعادة المحافظة إلى حضورها الثقافي والسياحي.
أجندة تحفيز للمدينة
وفي هذا السياق أكد محافظ درعا أنور طه الزعبي في تصريح إعلامي، أن اختيار موقع المهرجان يحمل رسالة واضحة مفادها أن (محنة حوران ستكون منحة ) وأن الأماكن التي شهدت الدمار والمواجهات يمكن أن تتحول إلى منطلق لحضارة درعا وانطلاقتها الجديدة.
وأشار الزعبي إلى وجود عدة مشاريع ثقافية بالتعاون مع وزارة الثقافة تبدأ بمهرجان حوران وتمتد إلى إعادة إحياء مهرجان بصرى الشام، مؤكداً أن الفعاليات ستتواصل خلال المرحلة المقبلة ، ومعرباً عن أمله بأن تشهد درعا تحولاً كبيراً وأن تكون في حلة جديدة مع نهاية عام 2026.
وفي ساحة السرايا، لا تختفي آثار الحرب لكنها لم تعد المشهد الوحيد. إلى جانب الجدران المتضررة هناك أضواء، وأطفال يضحكون، وأمهات يتسوقن وتجار يعرضون بضائعهم، وأهالٍ يستعيدون عادتهم إلى المكان.
درعا لا تنكر ما مرَ بها لكنها اختارت ألا يكون الركام خاتمة حكايتها. أشعلت أضواء الحياة في المكان الذي أطفأته الحرب وبدأت من هناك كتابة فصل جديد عنوانه العودة.
فحين تعود الناس إلى المكان يعود المكان إلى الحياة.


