سوريا - صحة
هل فقدت مهنة الصيدلة قيمتها الحقيقية في سوريا؟
ن
ناظم عيد
نشر في: ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٢٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لطالما كان الصيدلي واحداً من أكثر أصحاب المهن احتراماً في المجتمع، فالوصول إلى هذه المهنة ليس طريقاً قصيراً؛ بل سنوات من الدراسة الجامعية والتدريب والالتزام العلمي، وصولاً إلى مسؤولية مباشرة تمس صحة الإنسان وحياته.
لكن واقع المهنة اليوم يطرح أسئلة مقلقة حول المكانة التي وصلت إليها الصيدلة، خصوصاً مع الظروف الاقتصادية الصعبة وانتشار ممارسات يرى صيادلة أنها أسهمت في تراجع قيمة المهنة مهنياً ومادياً.
استئجار الشهادات… مشكلة تضرب أساس المهنة
من أبرز المشكلات التي يجري الحديث عنها ظاهرة استئجار الشهادات الصيدلانية، حيث تُستخدم شهادة صيدلي لترخيص أو تشغيل صيدلية، بينما قد لا يكون صاحب الشهادة موجوداً فعلياً لإدارتها والإشراف المهني عليها.
ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند التقليل من القيمة المادية للشهادة الجامعية، بل تتعلق أيضاً بالسؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية المهنية عن الدواء الذي يصل إلى المريض؟
من يقف خلف الصيدلية؟
المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما يعمل داخل بعض الصيدليات أشخاص لا يحملون شهادة في الصيدلة، وإنما يعتمدون على خبرة اكتسبوها من العمل وبيع الأدوية.
فالدواء ليس سلعة عادية، والصيدلية ليست مجرد متجر. صرف الأدوية والتعامل مع الجرعات والتداخلات الدوائية والتحذيرات وآثار العلاج يتطلب معرفة علمية ومسؤولية مهنية واضحة.
وجود الصيدلي المؤهل داخل الصيدلية ليس إجراءً شكلياً، بل عنصر أساسي في حماية المريض وتقليل الأخطاء المرتبطة باستخدام الأدوية.
سنوات من الدراسة… مقابل راتب متواضع
في المقابل، يواجه عدد من الصيادلة واقعاً اقتصادياً صعباً. فبعد سنوات من الدراسة الجامعية والتدريب، يتحدث عاملون في القطاع عن رواتب قد لا تتجاوز 100 دولاراً شهرياً في بعض الحالات.
وهنا تظهر مفارقة قاسية: شخص درس سنوات ليتحمل مسؤولية صحية دقيقة، لكنه قد يجد نفسه أمام دخل لا يتناسب مع سنوات دراسته أو حجم المسؤولية التي يتحملها.
وقد يدفع هذا الواقع بعض الخريجين إلى البحث عن مهن أخرى، أو التفكير بالهجرة، أو قبول ظروف عمل لا تتناسب مع مؤهلاتهم.
المشكلة ليست في الصيدلي وحده
اختزال الأزمة بالصيادلة أنفسهم لن يقدم حلاً حقيقياً. من بينها الظروف الاقتصادية، وضعف الأجور، والمنافسة التجارية، ومدى فاعلية الرقابة على الصيدليات، وتنظيم سوق العمل الصيدلاني.
وعندما تجتمع هذه العوامل، يصبح الخطر أكبر من مجرد انخفاض دخل أصحاب المهنة؛ إذ قد تتحول الصيدلة تدريجياً من مهنة صحية قائمة على العلم والمسؤولية إلى نشاط تجاري تكون الأولوية فيه للبيع بدلاً من الرعاية الدوائية.
هل يمكن إنقاذ المهنة؟
الحفاظ على قيمة الصيدلة يبدأ بتصحيح المفهوم في المجتمع بإعادة الاعتبار إلى الصيدلي بوصفه مختصاً صحياً وليس مجرد بائع للدواء، وتشديد الرقابة على استخدام الشهادات، وضمان وجود مختصين مؤهلين في الصيدليات، ومحاسبة المخالفات وفق القوانين والأنظمة النافذة، إلى جانب تحسين البيئة الاقتصادية والمهنية للعاملين في القطاع.
كما أن معالجة المشكلة تحتاج إلى تعاون الجهات الصحية والرقابية والنقابات وأصحاب الصيدليات والصيادلة أنفسهم، لأن حماية المهنة تعني في النهاية حماية المريض.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الصيادلة والجهات المعنية ..
هل فقدت مهنة الصيدلة جزءاً من قيمتها الحقيقية، أم أن ما يحدث اليوم أزمة مؤقتة ما زال بالإمكان معالجتها وإعادة الهيبة إلى واحدة من أهم المهن الصحية؟


