سوريا - محليات
مهنة تحررت وإيادٍ ماهرة عادت... انتعاش بطيء لعلامة حرفية فارقة في ريف دمشق
ا
العين السورية - شمس الدين مطعون
نشر في: ١٩ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٥٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ينحني أحمد فوق لوح خشبي، يراجع قياساته للمرة الأخيرة قبل تثبيت القطعة في مكانها. داخل ورشته الصغيرة في مدينة داريا، يعود صوت المناشير وآلات القص إلى الورشة، معلناً استعادة المهنة شيئاً من نشاطها بعد سنوات من الركود.
قبل خمسة أشهر فقط عاد أحمد من لبنان، حيث أمضى سنوات يعمل في صناعة الموبيليا، وافتتح ورشته داخل منزله مستفيداً من خبرته الطويلة.
لم تكن البداية سهلة، إذ مرت أسابيع من دون طلبات تُذكر، قبل أن تبدأ الحركة بالتحسن تدريجياً خلال الشهرين الأخيرين، مع عودة زبائن من دمشق وريفها ومحافظات أخرى.
التكلفة أولاً
لكن هذا التحسن، كما يقول أحمد لـ"العين السورية"، لا يعني عودة السوق إلى ما كانت عليه قبل عام 2011، بل ولادة سوق مختلفة فرضت على الحرفيين تغيير المواد التي يعملون بها، وعلى الزبائن تغيير أولوياتهم.

قبل سنوات، كانت غرف النوم تُصنع في معظمها من أخشاب الزان والسويد والشوح، وتمر بمراحل تصنيع طويلة تشمل الحفر اليدوي والزخرفة والدهان والتنجيد وتركيب الإكسسوارات، وكان إنجاز الغرفة الواحدة يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أسابيع.
أما اليوم، فأصبحت ألواح MDF واللامايكا الخيار الأكثر انتشاراً، حيث يمكن تصنيع غرفة النوم خلال ثلاثة أو أربعة أيام فقط، وبكلفة أقل بكثير من الأخشاب الطبيعية.
ويقول أحمد إن هذا التحول لم يكن نابعاً من تغير في الذوق العام، بل فرضته الظروف الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، موضحاً أن معظم الزبائن يسألون أولاً عن السعر قبل أي تفصيل آخر.
ويتراوح سعر غرفة النوم الاقتصادية اليوم بين 200 و300 دولار، بينما قد تصل أسعار الغرف المصنوعة من الأخشاب الطبيعية إلى نحو 2500 دولار، بحسب نوع الخشب ومستوى التشطيب.
ولا يقتصر هذا التحول على داريا. ففي بلدة سقبا، التي تعد أحد أبرز مراكز صناعة الموبيليا في الغوطة الشرقية، يروي أبو محمد، صاحب ورشة نجارة، قصة مشابهة.
ويقول لـ "العين السورية": "قبل سنوات الثورة كنا نصنع غرف الزان الثقيلة التي تعيش لعشرات السنين، أما اليوم فأغلب الأزواج الجدد يطلبون غرف MDF لأنها تناسب إمكاناتهم. نضطر للتأقلم مع السوق، وإلا سنضطر إلى الإغلاق."
ويضيف أن القطاع خسر عدداً كبيراً من الحرفيين بعد الهجرة أو التقاعد، بينما لم يعد كثير من الشباب يقبلون تعلم المهنة بسبب مشقتها مقارنة بمهن أخرى تحقق دخلاً أسرع.
المستورد ينافس الإنتاج
وفي شارع الثورة بمدينة داريا، الذي يضم عشرات معارض الأثاث والورش، تبدو الحركة التجارية أكثر نشاطاً من السنوات الماضية. فقد عادت بعض الورش إلى العمل بعد توقف، وافتتحت أخرى جديدة، كما تستقبل المعارض زبائن من ريف دمشق ودرعا ومحافظات أخرى، إلا أن حجم المبيعات لا يزال دون مستويات ما قبل عام 2011، وفق ما يقول عدنان، صاحب أحد المعارض.
ويشير إلى أن تغير خيارات المستهلكين لم يكن انعكاساً لتبدل الموضة بقدر ما كان نتيجة مباشرة للواقع الاقتصادي، لذلك باتت معظم المعارض تعرض مستويات سعرية متعددة، تبدأ بالغرف الاقتصادية وتصل إلى المنتجات الخشبية الفاخرة التي ما تزال تحافظ على شريحة محدودة من الزبائن.
تحديات تواجه المهنة
ولا يواجه القطاع تحدي ضعف القدرة الشرائية فقط، بل يواجه أيضاً منافسة متزايدة من الأثاث المستورد، ولا سيما التركي، الذي نجح في جذب شريحة واسعة من المستهلكين بفضل أسعاره التنافسية. ورغم ذلك، يؤكد عدنان أن المنتج المحلي لا يزال يتفوق من حيث الجودة والمتانة وطول العمر.
ودفعت هذه المنافسة كثيراً من الورش إلى تنويع إنتاجها، فلم تعد تقتصر على الأثاث الفاخر، بل أصبحت توفر خيارات تناسب مختلف مستويات الدخل، في محاولة للحفاظ على حضورها في السوق.
ورغم تحسن توفر المواد الأولية واستقرار التغذية الكهربائية نسبياً مع انتشار أنظمة الطاقة الشمسية، يرى أصحاب الورش أن نقص الحرفيين المهرة يبقى التحدي الأكبر، إلى جانب ارتفاع أسعار الآلات الحديثة، وهو ما يحول دون عودة كثير من الورش المتوقفة إلى الإنتاج.
وبين ورش داريا وسقبا، تبدو صناعة الموبيليا وكأنها تعيد تشكيل نفسها بما يتلاءم مع واقع اقتصادي جديد، والأثاث الذي كان يُقاس بجمال الحفر اليدوي ونوعية الأخشاب، أصبح يقاس اليوم بقدرته على الجمع بين الجودة والسعر.


