سوريا - محليات
مواجهة غير متكافئة مع "الميديا الجديدة".. هل بات الإعلام التقليدي في ورطة؟
ن
نورا حربا
نشر في: ١٧ يونيو ٢٠٢٦، ١٢:٠٠
3 دقيقة

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للحصول على الأخبار بالنسبة للجمهور السوري، على الرغم من الشوائب التي تشوب هذه الحالة, بدءاً من غياب المصداقية عبر بث الكثير من الأخبار غير الدقيقة والمضللة، مروراً بالتعدي على مهنة الإعلام من قبل الكثيرين، وليس انتهاءً بحملات التشهير التي باتت تطال أي كان دون التحقق من صحة ما يُطرح من معلومات. وهنا تتبادر إلى الأذهان تساؤلات كثيرة حول حضور وسائل الإعلام ودورها في نقل الحقيقة وتشكيل الرأي العام ضمن الأسس التي لطالما حكمت ونظمت مهنة الصحافة التي أُطلق عليها لقب "السلطة الرابعة".
السرعة والسبق
ترى الدكتورة رهف القصار، أستاذة الإعلام في جامعة دمشق، في تصريحها لـ"العين السورية"، أن تداول أخبار وسائل التواصل الاجتماعي دون التأكد من مصدرها يعود لعنصر الفورية والسرعة والآنية، الذي يدفع للمتابعة على "السوشيال ميديا". فمتصفح "السوشيال ميديا" ينتقي الأخبار السريعة التي تفي بالغرض، وبالتالي.. يتداول الأخبار دون النظر إلى المصدر. لنجد أن هناك حالة من الجاهزية عند متابع "السوشيال ميديا" لتقبل الأخبار السلبية والإيجابية في آنٍ معاً، بغض النظر عن موقفه من الخبر.
ولعلّه من المثير للقلق عزوف الجمهور عن الاعتماد على وسائل الإعلام المختلفة..!! هنا تفيد الدكتورة القصار، بأن ذلك يعود لسرعة ويُسر إمكانية الحصول على الأخبار عبر الجوال، بصفته وسيلة مرافقة للمتلقي سهلة الحمل والتنقل والتشغيل. فبمجرد دخوله على أي موقع في "السوشيال ميديا"، يستطيع الحصول على الخبر سواء في وسائل المواصلات أو مكان العمل. أما الوسائل الأخرى فتتطلب توفير بيئة معينة ربما ليست متوفرة لدى الكثيرين باليسر والسهولة المطلوبة، الأمر الذي يفسر لجوء الجمهور واعتمادهم على صحافة الجوال وأخبار "السوشيال ميديا" لسهولة تلقيها.
حملة توعوية
وبينت الدكتورة القصار أننا بحاجة إلى حملة توعوية لتذكير المشاهد بالطرق الصحيحة للحصول على المعلومة والتأكد من موثوقية الخبر، إما عن طريق برامج سريعة تتيح للمتلقي أن يميز بين الخبر الصحيح والملفَق، بشكل يساعده على إمكانية اكتشاف الحقيقة ما أمكن، وأيضاً بمؤازرة وزارة الإعلام التي يجب أن تتيح ترخيص وسائل إعلام، وحتى صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، لضمان تداول أخبار معتمدة، مع ضرورة أن يكون القائمون على الاتصال أشخاصاً أكاديميين يمتلكون المهنية المطلوبة. حتى بالنسبة لصنّاع المحتوى، يُفترض أن يكونوا إعلاميين حقيقيين ليستطيعوا التمييز بين الخبر الصحيح والملفَق، إضافة إلى ضرورة تعزيز ثقافة توثيق المصادر عند الجمهور.
ظواهر إعلامية
يشير الأكاديمي والمختص في قضايا الخطاب الإعلامي، الدكتور أحمد الكناني، لـ"العين السورية"، إلى أن الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد شهدت فوضى عارمة في تداول الأخبار المتعلقة بالشأن السوري، لا سيما مع تعطل وسائل الإعلام الرسمية في المرحلة الأولى واعتماد المصادر غير الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انتشار ظواهر إعلامية تصدّرت المشهد وأصبحت المصدر الرئيسي للأخبار في سوريا. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في خلق حالة من الفوضى الإعلامية بدأت تتراجع تدريجياً مع إعادة الحكومة السورية ضبط الإعلام الرسمي والإعلام الرئاسي، إلا أن ذلك لا يعني اختفاء هذه الفوضى بشكل كامل.
وسائل لم تعتمد بعد
ويؤكد الكناني أنه لا يمكن القول بوجود وسائل إعلام معتمدة لدى الجمهور السوري، إذ يستقي معظم السوريين معلوماتهم من وسائل التواصل الاجتماعي، باستثناء الأخبار الرسمية المرتبطة بشؤونهم المعيشية اليومية، مثل المراسيم الرئاسية والمعاشات وارتفاع الأسعار. وعليه، استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي سد الفراغ الذي خلفه ضعف الاهتمام بالإعلام الرسمي. مضيفاً بأن العديد من وسائل الإعلام الخاصة باتت تمثل المصدر الرئيسي للأخبار المتعلقة بالشأن السوري، وهي بدورها تعتمد بشكل كبير على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
كثافة الانتشار
بحسب الكناني، يعود اعتماد الجمهور السوري على وسائل التواصل الاجتماعي إلى كثافة انتشارها، وسرعة تداول محتواها، وسهولة الوصول إليه، فضلاً عن المحتوى الجذاب الذي تقدمه. كما أسهم انقطاع الكهرباء لفترات طويلة خلال السنوات الماضية في تعزيز الاعتماد على هذه المنصات بوصفها مصدراً رئيسياً للمعلومات، خاصة أن القنوات الرسمية والتلفزيونية نفسها باتت تبث أخبارها وبرامجها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ضبط صعب
ويشير الكناني إلى أنه لا يعتقد بإمكانية ضبط مثل هذه الظواهر بشكل كامل، لا سيما أن الحكومة كانت تعتمد سابقاً على تسريب المعلومات المتعلقة بالقضايا السياسية إلى القنوات العربية والدولية، وخاصة ما يتصل بالعلاقات الخارجية. ونتيجة لذلك، اكتسبت المصادر العربية والغربية قدراً كبيراً من الثقة لدى الجمهور السوري. أما فيما يتعلق بالبيان الصادر مؤخراً، فيرى أنه موجّه إلى الأخبار الخاصة بالرئاسة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة اعتماد الجمهور عليها بوصفها المصدر الأساسي للمعلومات.
ثقافة متراكمة
وينوه الأكاديمي الكناني إلى أن اعتماد الدقة يُبنى على ثقافة متراكمة قائمة على تدقيق الأخبار والتحري منها، وهو أمر من الصعب تطبيقه الآن في ظل الفوضى المعلوماتية الحاصلة في الشأن السوري. وعليه، يجب التركيز في الدرجة الأولى على التشريعات والقوانين التي تحاسب المنصات ذات الأخبار المغلوطة أو مصادر الشائعات، الأمر الذي يمهد بشكل تدريجي لنشر ثقافة التقصي والتدقيق في المعلومات.
شرط الزمن
يلاحظ بعد ما تقدم أن حجر الأساس في حالتنا هذه يعود لوعي الجمهور بضرورة التحقق مما يتابعه من أخبار، وضرورة الحصول على المعلومة من مصدرها الرئيسي. وهذا يتطلب بذل جهد من الجهات الرسمية التي يتوجب عليها أن تصل للجمهور بأخبارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأسهل والأيسر متابعتها من قبل الجمهور. وقد لحظنا مؤخراً تواجداً لا بأس به لمختلف وزارات وجهات الدولة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأمر ما زال بحاجة لمزيد من الجهود لنصل إلى النتائج المرجوة، ونضع حداً للتلفيق والتضليل، وذلك بالدرجة الأولى لا يتم إلا بإتاحة المجال للحصول على المعلومة بيسر وسهولة.


