سوريا - اقتصاد
مليار دولار عجز في موازنة سوريا.. من أين جاء التمويل؟
إيرادات بـ2.7 مليار دولار مقابل إنفاق بلغ 3.7 مليارات.. ووزارة المالية تراهن على النفط والغاز والضرائب والجمارك لتعزيز موارد الخزينة في النصف الثاني
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:١٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا تكمن المفاجأة في أن الموازنة السورية سجلت عجزاً خلال النصف الأول من عام 2026، وإنما في الفارق الكبير بين سرعة نمو الإيرادات وسرعة نمو الإنفاق، وفي الأسئلة التي تتركها هذه الفجوة مفتوحة بشأن تمويل العجز وقدرة الخزينة على مواصلة الإنفاق خلال الأشهر المقبلة.
فبحسب أرقام وزارة المالية، بلغت الإيرادات العامة خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، ما يعني عجزاً مالياً يقارب مليار دولار.
لكن مقارنة هذه الأرقام بالفترة نفسها من العام الماضي تكشف جانباً أكثر أهمية: الإيرادات ارتفعت بنسبة 111 بالمئة، في حين قفز الإنفاق بنسبة 331 بالمئة.
وبعبارة أخرى، فإن الإنفاق توسع بوتيرة تفوق بكثير نمو الموارد التي دخلت الخزينة.
وهنا تبدأ القصة التي تتجاوز مجرد إعلان أرقام تنفيذ الموازنة.
ماذا تقول الأرقام الرسمية؟
تشير وزارة المالية إلى أن الإيرادات المحققة خلال النصف الأول تمثل نحو 31 بالمئة من الإيرادات السنوية المقدرة، بينما بلغ تنفيذ النفقات نحو 35 بالمئة من إجمالي الاعتمادات المعتمدة.
وكانت موازنة عام 2026 قد قدرت الإيرادات السنوية بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تبلغ نحو 10.516 مليارات دولار.
حسابياً، تبدو أرقام التنفيذ المعلنة متوافقة تقريباً مع هذه النسب؛ إذ إن 31 بالمئة من الإيرادات المقدرة تعادل نحو 2.7 مليار دولار، فيما تمثل 35 بالمئة من النفقات المعتمدة نحو 3.7 مليارات دولار.
لكن هذه المقارنة تطرح سؤالاً مهماً: هل تسير الموازنة فعلاً وفق المسار المتوقع في بداية العام، أم أن الأشهر الستة المقبلة ستحتاج إلى تغير كبير في وتيرة الإيرادات والإنفاق؟
لماذا ارتفع الإنفاق بهذا الشكل؟
تقدم وزارة المالية تفسيراً واضحاً للزيادة الكبيرة في الإنفاق.
فوزير المالية يسر برنية يعزوها بصورة رئيسية إلى زيادة الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، وارتفاع تكلفة بعض السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات.
كما تتوقع الوزارة ارتفاع وتيرة الإنفاق خلال النصف الثاني، مع ظهور الأثر الكامل لزيادة الرواتب والأجور، وتسارع تنفيذ المشاريع والإنفاق الاستثماري، ولا سيما المرتبط بدعم المناطق المتضررة.
وهذا يعني أن رقم 3.7 مليارات دولار المسجل في النصف الأول لا يمثل بالضرورة سقف الإنفاق المتوقع خلال العام، بل إن الحكومة نفسها تتوقع زيادة وتيرته في النصف الثاني.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تعقيداً: إذا كان الإنفاق سيزداد، فهل ستنمو الإيرادات
المشكلة ليست في العجز وحده
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في حديثه مع "العين السورية" أن نشر نتائج التنفيذ الفعلي للموازنة يمثل خطوة مهمة على طريق الشفافية المالية، لكنه يعتبر أن الأرقام المنشورة يجب أن تكون بداية لأسئلة أوسع، وليس نهاية النقاش.
وبحسب قراءته، فإن وجود عجز بحد ذاته لا يمثل المشكلة الأساسية، لأن الموازنات العامة في كثير من الاقتصادات تعمل بعجز. الأهم هو كيفية تمويل هذا العجز وتأثير طريقة التمويل على الاقتصاد.
فالعجز المسجل خلال النصف الأول، والبالغ نحو مليار دولار، لا يخبرنا وحده من أين جاءت الأموال التي مكنت الدولة من تغطية الفجوة بين الإيرادات والإنفاق.
وهنا، بحسب محي الدين، تحتاج وزارة المالية إلى توضيح ما إذا كان التمويل قد جاء من الاقتراض الداخلي، أو من المصارف العامة، أو من أرصدة الخزينة، أو من أدوات دين، أو من مصادر أخرى.
ولا يعني ذلك افتراض أن العجز موّل عن طريق الإصدار النقدي أو مصرف سورية المركزي؛ فهذه نتيجة لا يمكن الوصول إليها من أرقام العجز وحدها.
لكن معرفة مصدر التمويل ضرورية لتقييم أثره المحتمل على السيولة والتضخم وسعر الصرف والقطاع المصرفي.
السؤال الغائب: من موّل المليار؟
في التقرير المالي، يصبح هذا السؤال واحداً من أكثر الأسئلة أهمية:
كيف جرى تمويل الفارق بين 2.7 مليار دولار من الإيرادات و3.7 مليارات من الإنفاق؟
فإذا كان التمويل بالاقتراض، فما حجم الدين الجديد؟ ومن هم المقرضون؟ وما آجال الاستحقاق وكلفة الاقتراض؟
وإذا كانت المصارف العامة قد لعبت دوراً في التمويل، فما حجم الأموال التي وجهت إلى الخزينة بدلاً من تمويل القطاع الخاص؟
أما إذا استخدمت أرصدة أو احتياطيات متاحة، فما حجمها المتبقي؟
هذه التفاصيل لا تغير فقط صورة الموازنة، وإنما تساعد في فهم قدرة الدولة على تمويل الاقتصاد في المرحلة المقبلة.
ولهذا يقترح محي الدين أن تتضمن تقارير الأداء المالي المقبلة بنداً مستقلاً بعنوان "مصادر تمويل العجز"
هل تستطيع الحكومة جمع 6 مليارات دولار إضافية؟ المسألة الثانية التي تستحق المتابعة تتعلق بالإيرادات.
فإذا كان إجمالي الإيرادات المستهدف لعام 2026 يبلغ 8.716 مليارات دولار، وكانت الخزينة قد حصّلت نحو 2.7 مليار دولار خلال النصف الأول، فإن الوصول إلى الهدف السنوي يتطلب تحصيل نحو 6 مليارات دولار إضافية خلال النصف الثاني.
وهذا يعني أن الحكومة تحتاج إلى تحقيق إيرادات خلال ستة أشهر تزيد بأكثر من الضعف تقريباً على ما حققته في الأشهر الستة الأولى.
وتراهن وزارة المالية على عدة مصادر لرفع الإيرادات، في مقدمتها إيرادات النفط والغاز، وتحسن التحصيل الضريبي والجمركي، وبعض الإيرادات الاستثنائية.
وهناك عامل جديد نسبياً في حسابات النصف الثاني، إذ أعلنت الوزارة بدء توريد إيرادات النفط والغاز إليها اعتباراً من شهر أيار.
لكن السؤال هنا ليس ما إذا كانت هذه الإيرادات ستزداد، بل ما حجم الزيادة الفعلية التي يمكن أن تدخل الخزينة؟ وهل تكفي وحدها لتغطية الفجوة المتبقية؟
النفط والغاز.. ورقة النصف الثاني
يمكن أن تشكل الإيرادات النفطية والغازية أحد أهم المتغيرات في أداء الموازنة خلال النصف الثاني، خصوصاً أن تدفقها إلى وزارة المالية بدأ في أيار، أي أنها لم تكن متاحة طوال النصف الأول وفق الآلية الحالية.
لكن تقييم أثرها يحتاج إلى أرقام أكثر تفصيلاً: كم دخل فعلياً إلى الخزينة منذ بدء التوريد؟ وما متوسط الإيرادات الشهرية؟ وما المتوقع حتى نهاية العام؟ وينطبق الأمر نفسه على الضرائب والجمارك.
فالقول إن التحصيل الضريبي والجمركي سيتحسن لا يكفي لتقدير قدرة الموازنة على الوصول إلى أهدافها، ما لم تتوافر أرقام تظهر حجم الزيادة المتوقعة ومصدرها.
هل الزيادة في الإنفاق استثمار أم استهلاك؟
هذه إحدى أهم النقاط التي يرى محي الدين ضرورة متابعتها. فارتفاع الإنفاق بنسبة 331 بالمئة لا يحمل دلالة واحدة في حد ذاته.
إذا كانت الزيادة تتجه بدرجة كبيرة إلى البنية التحتية وإعادة التأهيل والطاقة والمياه والنقل والصحة والتعليم ودعم الإنتاج والمشاريع الاستثمارية، فقد يكون لها أثر اقتصادي مختلف عن زيادة تذهب بمعظمها إلى النفقات الجارية.
وكانت موازنة المواطن قد قدرت توزيع النفقات بنحو 60 بالمئة للنفقات الجارية، و27 بالمئة للنفقات الاستثمارية، و13 بالمئة للدعم والضمان الاجتماعي.
لكن ما يهم الآن هو معرفة ما الذي تحقق فعلياً من هذه التوزيعات خلال النصف الأول.
وهنا تظهر فجوة معلومات تستحق المتابعة الصحفية: كم أنفقت الدولة فعلياً على الرواتب؟ وكم على الاستثمار؟ وكم على الدعم؟ وما هي القطاعات التي حصلت على أكبر حصة من الزيادة؟
الدولار يخفي سؤال الليرة
عرض أرقام الموازنة بالدولار يجعل حجمها أكثر وضوحاً للقارئ، لكنه في الوقت نفسه يطرح مشكلة منهجية تتعلق بسعر الصرف المستخدم في التحويل.
فالموازنة اعتمدت سعراً مرجعياً قدره 110 ليرات سورية جديدة للدولار.
لكن عند قراءة نتائج التنفيذ الفعلي، يحتاج المتابع إلى معرفة السعر الذي استخدمته وزارة المالية لتحويل الإيرادات والنفقات إلى الدولار.
هل هو السعر المرجعي نفسه؟ أم متوسط سعر الصرف خلال الأشهر الستة؟ أم سعر آخر؟
ويعتقد محي الدين أن نشر الأرقام الأصلية بالليرة السورية إلى جانب قيمتها الدولارية سيكون أكثر فائدة، خصوصاً في اقتصاد شهد تغيرات كبيرة في الأسعار وأسعار الصرف.
ماذا عن الموازنة في نهاية العام؟
الأرقام الحالية لا تجيب أيضاً عن سؤال آخر: هل ما زالت تقديرات موازنة 2026 كما كانت عند إقرارها؟
فخلال ستة أشهر، تغيرت ظروف اقتصادية ومالية عديدة، كما بدأت إيرادات النفط والغاز بالتدفق إلى الخزينة، فيما ارتفعت وتيرة الإنفاق.
لذلك سيكون من المهم معرفة ما إذا كانت وزارة المالية ستجري مراجعة نصف سنوية لتقديرات الإيرادات والنفقات، أو تعيد تقدير النتائج المتوقعة لنهاية العام.
وقد تكون المقارنة الأكثر فائدة هي بين ثلاثة أرقام:
ما كان مقدراً في بداية العام – ما تحقق فعلياً في النصف الأول – ما تتوقع الحكومة تحقيقه بنهاية العام.
هذه المقارنة ستعطي صورة أدق عن المسار الحقيقي للموازنة من مجرد نسبة التنفيذ الحالية.
شفافية الأرقام.. وشفافية ما وراء الأرقام
يمثل تقرير الأداء المالي خطوة مهمة في اتجاه نشر بيانات تنفيذ الموازنة، وهو ما تؤكده وزارة المالية باعتباره جزءاً من سلسلة إفصاح بدأت بتقرير الأداء المالي لعام 2025، ثم موازنة المواطن لعام 2026، وصولاً إلى نشر نتائج التنفيذ الفعلي.
لكن الشفافية المالية لا تتعلق فقط بإعلان حجم الإيرادات والنفقات.
فالمرحلة الأكثر أهمية هي أن يعرف المواطن مصدر الإيراد، ووجهة الإنفاق، وكيف تم تمويل العجز.
ومن هنا، فإن أرقام النصف الأول من 2026 تقدم صورة أولية عن أداء المالية العامة، لكنها تفتح في الوقت نفسه ملفات تحتاج إلى مزيد من البيانات.
فإذا كانت الإيرادات قد بلغت 2.7 مليار دولار، والإنفاق 3.7 مليارات، فإن السؤال الذي سيبقى حاضراً حتى صدور البيانات التالية هو: من أين جاء المليار دولار الذي سد الفجوة؟
وبالتوازي، ستبقى قدرة الحكومة على تحصيل نحو 6 مليارات دولار إضافية خلال النصف الثاني، مع استمرار ارتفاع الإنفاق، أحد أبرز المؤشرات التي تستحق المراقبة حتى نهاية عام 2026.


