سوريا - اقتصاد
موازنة سوريا للنصف الأول من 2026.. أرقام تكشف اتساع الإنفاق وأسئلة معلّقة حول الشفافية
تفتح الأرقام المعلنة للموازنة العامة للدولة السورية خلال النصف الأول من عام 2026 مجموعة من الأسئلة حول طبيعة هذا الإنفاق، ومصادر الإيرادات، وكيفية تمويل العجز، ومدى كفاية البيانات.
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٣ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:٣٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تكشف نتائج تنفيذ الموازنة العامة للدولة السورية خلال النصف الأول من عام 2026 عن مرحلة اقتصادية ومالية مختلفة في طبيعتها عن السنوات السابقة.
إذ تتحرك المالية العامة في مساحة تجمع بين الحاجة إلى توسيع الإنفاق لإعادة تشغيل الاقتصاد والخدمات والمؤسسات، وبين ضرورة ضبط العجز والحفاظ على استقرار المالية العامة.
غير أنّ قراءة الأرقام المعلنة لا تقود إلى إجابة واحدة، بل تفتح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة هذا الإنفاق، ومصادر الإيرادات، وكيفية تمويل العجز، والأهم حول مدى كفاية البيانات المتاحة للحكم بصورة موضوعية على أداء الموازنة.
أهمية الإنفاق بما ينتجه من أثر اقتصادي
في إجابتها عن تلك الأسئلة، تؤكد الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية لـ "العين السورية"، أنه وفقاً للبيانات التي أعلنتها وزارة المالية، فقد بلغت الإيرادات العامة خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 2.7 مليار دولار، في حين وصل الإنفاق العام إلى نحو 3.7 مليارات دولار، ليسجل العجز قرابة مليار دولار.
أهمية الإنفاق بما ينتجه من أثر اقتصادي
في إجابتها عن تلك الأسئلة، تؤكد الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية لـ "العين السورية"، أنه وفقاً للبيانات التي أعلنتها وزارة المالية، فقد بلغت الإيرادات العامة خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 2.7 مليار دولار، في حين وصل الإنفاق العام إلى نحو 3.7 مليارات دولار، ليسجل العجز قرابة مليار دولار.
كما أنه بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق، ارتفعت الإيرادات بنسبة تقارب 111%، بينما ارتفع الإنفاق بنسبة كبيرة بلغت نحو 331%، وهذه المقارنة بحد ذاتها تستحق التوقف، ليس باعتبارها دليلاً على خلل حتمي في السياسة المالية، وإنما لأنها تكشف اتساعاً كبيراً في حجم الإنفاق يفوق بكثير سرعة نمو الموارد العامة.
وقالت الدكتورة الشياح، إنه لا يمكن النظر في اقتصاد يمر بمرحلة إعادة بناء، إلى ارتفاع الإنفاق باعتباره مؤشراً سلبياً بصورة تلقائية، فالدولة تحتاج إلى الإنفاق على البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة وإعادة تأهيل المؤسسات.
وقالت الدكتورة الشياح، إنه لا يمكن النظر في اقتصاد يمر بمرحلة إعادة بناء، إلى ارتفاع الإنفاق باعتباره مؤشراً سلبياً بصورة تلقائية، فالدولة تحتاج إلى الإنفاق على البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة وإعادة تأهيل المؤسسات.
كما أنّ تحسين الأجور يمثل ضرورة اجتماعية واقتصادية في ظل التراجع الكبير الذي أصاب القوة الشرائية خلال السنوات الماضية، لكن أهمية الإنفاق لا تقاس بحجمه فقط، وإنما بما ينتجه من أثر اقتصادي.
فالإنفاق الذي يعيد تشغيل منشأة إنتاجية أو يحسن شبكة الكهرباء أو النقل أو المياه يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية مستقبلية، بينما يؤدي الإنفاق الجاري المتكرر إلى زيادة الالتزامات على الخزينة من دون أن يولد بالضرورة مورداً مقابلاً.
وهنا تكمن، بحسب الدكتورة الشياح، أهمية النظر إلى العجز البالغ نحو مليار دولار من زاوية مختلفة، فالعجز في حد ذاته ليس مؤشراً كافياً للحكم على السياسة المالية، إذ يمكن أن يكون جزءاً من سياسة توسعية مؤقتة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وهنا تكمن، بحسب الدكتورة الشياح، أهمية النظر إلى العجز البالغ نحو مليار دولار من زاوية مختلفة، فالعجز في حد ذاته ليس مؤشراً كافياً للحكم على السياسة المالية، إذ يمكن أن يكون جزءاً من سياسة توسعية مؤقتة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
لكن الحكم يتوقف على تركيب هذا العجز ومصدر تمويله، فإذا كان جزء مهم منه مرتبطاً بتمويل استثمارات منتجة، فإن أثره يختلف جذرياً عن عجز ناتج عن عدم قدرة الإيرادات الجارية على تغطية النفقات الجارية، وفي الحالة الثانية، يتحول العجز تدريجياً من أداة مؤقتة إلى التزام متكرر يضغط على المالية العامة عاماً بعد عام.
وتزداد أهمية هذه المسألة، وفقاً للدكتورة الشياح، عندما نلاحظ أن ارتفاع الإنفاق جاء بمعدل يفوق ارتفاع الإيرادات بفارق كبير، فالزيادة في الإيرادات، رغم كونها إيجابية، لا تكفي وحدها لتأكيد تحسن الوضع المالي.
وتزداد أهمية هذه المسألة، وفقاً للدكتورة الشياح، عندما نلاحظ أن ارتفاع الإنفاق جاء بمعدل يفوق ارتفاع الإيرادات بفارق كبير، فالزيادة في الإيرادات، رغم كونها إيجابية، لا تكفي وحدها لتأكيد تحسن الوضع المالي.
لأن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الزيادة ناتجة عن توسع حقيقي في النشاط الاقتصادي والقاعدة الضريبية، أم أنها تعكس في جانب منها تغيرات في الأسعار أو سعر الصرف أو الرسوم أو حجم التجارة والتحصيل.
تظهر هنا تركيبة الإيرادات باعتبارها عاملاً مهماً في تقييم استدامة المالية العامة، فالإيرادات الجمركية تشكل مورداً مهماً للخزينة، إلى جانب عوائد النفط والغاز وغيرها من الموارد، وهذه الإيرادات توفر للدولة قدرة سريعة على تمويل الإنفاق، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية.
تظهر هنا تركيبة الإيرادات باعتبارها عاملاً مهماً في تقييم استدامة المالية العامة، فالإيرادات الجمركية تشكل مورداً مهماً للخزينة، إلى جانب عوائد النفط والغاز وغيرها من الموارد، وهذه الإيرادات توفر للدولة قدرة سريعة على تمويل الإنفاق، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية.
فالاقتصاد الأكثر قدرة على تمويل موازنته هو الاقتصاد الذي ترتفع إيراداته لأن الإنتاج والاستثمار والدخل والأرباح تتوسع، وليس فقط لأن حركة الاستيراد أو الرسوم أو الموارد الريعية ترتفع.
نشر بيانات أكثر تفصيلاً
ومن هذه الزاوية، تشير الشياح إلى أن دخول الإيرادات النفطية والغازية إلى حسابات المالية العامة يمثل فرصة مهمة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى إدارة شديدة الحذر.
نشر بيانات أكثر تفصيلاً
ومن هذه الزاوية، تشير الشياح إلى أن دخول الإيرادات النفطية والغازية إلى حسابات المالية العامة يمثل فرصة مهمة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى إدارة شديدة الحذر.

فالإيرادات النفطية يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في تمويل إعادة بناء البنية التحتية وزيادة الاستثمار وتحسين وضع المالية العامة، لكنها تصبح مصدر ضعف إذا تحولت إلى مورد لتمويل نفقات جارية دائمة، لذلك ومن الضروري أن يكون هناك وضوح أكبر حول حجم الإنتاج والإيرادات والتكاليف وصافي الموارد التي تصل فعلياً إلى الخزينة، لأن الحديث عن الإيراد النفطي من دون معرفة صافي العائد لا يقدم صورة مكتملة عن أثره على المالية العامة.
أما في جانب الإنفاق، فترى الدكتورة الشياح أن زيادة الرواتب والأجور تكتسب أهمية خاصة، فمن الناحية الاجتماعية، لا يمكن تجاهل ضرورة تحسين دخول العاملين وقدرتهم الشرائية، خصوصاً أن استعادة الطلب المحلي تمثل جزءاً من عملية التعافي الاقتصادي، لكن رفع الأجور لا يمكن أن يتحول إلى سياسة مالية مستدامة بمعزل عن نمو الإنتاجية والناتج المحلي.
أما في جانب الإنفاق، فترى الدكتورة الشياح أن زيادة الرواتب والأجور تكتسب أهمية خاصة، فمن الناحية الاجتماعية، لا يمكن تجاهل ضرورة تحسين دخول العاملين وقدرتهم الشرائية، خصوصاً أن استعادة الطلب المحلي تمثل جزءاً من عملية التعافي الاقتصادي، لكن رفع الأجور لا يمكن أن يتحول إلى سياسة مالية مستدامة بمعزل عن نمو الإنتاجية والناتج المحلي.
فالزيادة المستمرة في الأجور تحتاج في المقابل إلى اقتصاد أكثر قدرة على إنتاج السلع والخدمات وتوليد الإيرادات، وإلا فإن جزءاً من أثرها قد يتحول إلى زيادة في الطلب لا يقابلها توسع كافٍ في العرض، بما يخلق ضغوطاً سعرية جديدة.
ولهذا فإن الاختبار الأهم للموازنة لا يتعلق فقط بحجم ما أنفقته الدولة، وإنما بما إذا كان هذا الإنفاق قد ساهم فعلاً في رفع قدرة الاقتصاد على النمو، فالإنفاق الاستثماري، مهما بلغ حجمه، لا يصبح إنجازاً اقتصادياً بمجرد تسجيله في الحسابات العامة، وإنما عندما يتحول إلى مشاريع مكتملة وخدمات أفضل وطاقة إنتاجية أعلى وفرص عمل جديدة.
ولهذا فإن الاختبار الأهم للموازنة لا يتعلق فقط بحجم ما أنفقته الدولة، وإنما بما إذا كان هذا الإنفاق قد ساهم فعلاً في رفع قدرة الاقتصاد على النمو، فالإنفاق الاستثماري، مهما بلغ حجمه، لا يصبح إنجازاً اقتصادياً بمجرد تسجيله في الحسابات العامة، وإنما عندما يتحول إلى مشاريع مكتملة وخدمات أفضل وطاقة إنتاجية أعلى وفرص عمل جديدة.
وهنا تظهر الحاجة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلاً حول المشاريع الاستثمارية ونسب إنجازها وتكلفتها والنتائج التي حققتها، لأن نسبة تنفيذ الاعتماد المالي لا تعني بالضرورة تحقيق الهدف الاقتصادي للمشروع.
غير أن الجانب الأكثر حساسية في قراءة موازنة النصف الأول من عام 2026 يتعلق بمستوى الشفافية المالية المتاحة للجمهور.
غير أن الجانب الأكثر حساسية في قراءة موازنة النصف الأول من عام 2026 يتعلق بمستوى الشفافية المالية المتاحة للجمهور.
وهنا تتابع الدكتورة الشياح حديثها بضرورة التمييز بين القول إن المعلومات غائبة تماماً، وهذا غير دقيق، وبين القول إن مستوى الإفصاح الحالي لا يزال غير كافٍ لإجراء تقييم مالي واقتصادي شامل.
فقد شكل نشر وزارة المالية لبيانات تنفيذ الموازنة خطوة إيجابية باتجاه الإفصاح، إلا أن عرض الإيرادات والنفقات والعجز في صورة إجمالية لا يمنح وحده القدرة الكافية على تتبع تفاصيل المالية العامة أو تقييم كفاءة الإنفاق.
ولاسيما وأن الشفافية المالية الحقيقية لا تتوقف عند معرفة أن الإيرادات بلغت رقماً معيناً وأن النفقات تجاوزت رقماً آخر، وإنما تتطلب القدرة على معرفة كيف تشكلت هذه الإيرادات، وكيف توزعت النفقات، وما الفرق بين الاعتمادات المخططة والتنفيذ الفعلي، وما المشاريع التي أنجزت فعلياً، وما حجم الالتزامات القائمة، وكيف تم تمويل العجز، وما تكلفة هذا التمويل وآجاله.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في ظل استخدام الدولار في عرض جانب مهم من أرقام الموازنة، فلكي تكون المقارنة بين السنوات والفترات ذات دلالة اقتصادية، ينبغي توضيح سعر الصرف المستخدم في تحويل الأرقام المحلية إلى الدولار، إلى جانب نشر البيانات الأصلية بالليرة السورية، ذلك أن التغيرات النقدية والسعرية يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في القيمة الاسمية للإيرادات والنفقات.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في ظل استخدام الدولار في عرض جانب مهم من أرقام الموازنة، فلكي تكون المقارنة بين السنوات والفترات ذات دلالة اقتصادية، ينبغي توضيح سعر الصرف المستخدم في تحويل الأرقام المحلية إلى الدولار، إلى جانب نشر البيانات الأصلية بالليرة السورية، ذلك أن التغيرات النقدية والسعرية يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في القيمة الاسمية للإيرادات والنفقات.
وبالتالي فإن ارتفاع الإيرادات أو الإنفاق بالدولار لا يمكن تفسيره بصورة سليمة من دون معرفة منهجية التحويل والعوامل التي تقف وراء التغير.
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أنّ نقص التفاصيل لا يمثل مشكلة للباحثين فقط، بل ينعكس على الاقتصاد نفسه.
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أنّ نقص التفاصيل لا يمثل مشكلة للباحثين فقط، بل ينعكس على الاقتصاد نفسه.
فالمستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة لمسار المالية العامة والسياسة الضريبية، والقطاع الخاص يحتاج إلى توقعات مستقرة حول الضرائب والرسوم والإنفاق الحكومي، والمؤسسات الرقابية تحتاج إلى بيانات تمكنها من ممارسة الرقابة على أساس معلومات قابلة للتحقق.
بينما يحتاج المواطن إلى معرفة كيفية استخدام الموارد العامة التي تمثل في النهاية أموال المجتمع، خصوصاً وأنّ الشفافية المالية تصبح في اقتصاد يسعى إلى استعادة الثقة وجذب الاستثمار، جزءاً من البيئة الاستثمارية، وليست مجرد مسألة إدارية، فغياب التفاصيل يزيد من مساحة عدم اليقين.
وعدم اليقين يرفع المخاطر التي يأخذها المستثمر في حساباته، أما عندما تكون البيانات واضحة ومنتظمة وقابلة للمقارنة، فإنها تساعد على بناء توقعات اقتصادية أكثر استقراراً وتدعم الثقة بالسياسة المالية.
تطوير طريقة عرض الموازنة
ومن هنا تبدو الحاجة إلى تطوير طريقة عرض الموازنة نفسها، بحيث لا تبقى مجرد بيان عن حجم الموارد والنفقات، وإنما تتحول تدريجياً إلى موازنة مرتبطة بالأداء والنتائج، فالمهم ليس فقط أن تعلن جهة حكومية أنها أنفقت كامل الاعتماد المخصص لها، وإنما أن توضح ما الذي تحقق بهذا الإنفاق، وما أثره على الخدمة أو الإنتاج أو فرص العمل أو خفض التكلفة الاقتصادية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المرحلة الحالية، لأن سورية لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم الإنفاق العام، وإنما إلى رفع كفاءته، فالإنفاق الحكومي يمكن أن يكون أحد أهم محركات التعافي إذا اتجه إلى قطاعات ترفع الإنتاجية وتخفض تكاليف ممارسة النشاط الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا توسع بصورة أكبر من قدرة الاقتصاد على تمويله ولم ينتج عنه توسع مماثل في النشاط الاقتصادي.
وبالتالي فإن موازنة النصف الأول من 2026 تعكس مفارقة واضحة، لجهة أن هناك تحسناً كبيراً في قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، لكن في الوقت نفسه هناك توسع أكبر بكثير في الإنفاق، ما أدى إلى اتساع العجز.
تطوير طريقة عرض الموازنة
ومن هنا تبدو الحاجة إلى تطوير طريقة عرض الموازنة نفسها، بحيث لا تبقى مجرد بيان عن حجم الموارد والنفقات، وإنما تتحول تدريجياً إلى موازنة مرتبطة بالأداء والنتائج، فالمهم ليس فقط أن تعلن جهة حكومية أنها أنفقت كامل الاعتماد المخصص لها، وإنما أن توضح ما الذي تحقق بهذا الإنفاق، وما أثره على الخدمة أو الإنتاج أو فرص العمل أو خفض التكلفة الاقتصادية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المرحلة الحالية، لأن سورية لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم الإنفاق العام، وإنما إلى رفع كفاءته، فالإنفاق الحكومي يمكن أن يكون أحد أهم محركات التعافي إذا اتجه إلى قطاعات ترفع الإنتاجية وتخفض تكاليف ممارسة النشاط الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا توسع بصورة أكبر من قدرة الاقتصاد على تمويله ولم ينتج عنه توسع مماثل في النشاط الاقتصادي.
وبالتالي فإن موازنة النصف الأول من 2026 تعكس مفارقة واضحة، لجهة أن هناك تحسناً كبيراً في قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، لكن في الوقت نفسه هناك توسع أكبر بكثير في الإنفاق، ما أدى إلى اتساع العجز.
ولا يمكن اعتبار هذه النتيجة سلبية بصورة مطلقة في اقتصاد يعيش مرحلة إعادة بناء، كما لا يمكن اعتبارها إيجابية تلقائياً.
الحكم الحقيقي يتوقف على نوعية الإنفاق، واستدامة الإيرادات، وطريقة تمويل العجز، ومدى قدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق الحالي إلى نمو وإيرادات مستقبلية.
ولذلك فإن النصف الثاني من العام سيكون مهماً في تحديد اتجاه المالية العامة، فإذا أدت زيادة الإيرادات النفطية وتحسن التحصيل الضريبي والجمركي إلى تضييق الفجوة مع الإنفاق، بالتوازي مع ضبط نمو النفقات الجارية، فقد يبقى العجز ضمن حدود يمكن إدارتها.
ولذلك فإن النصف الثاني من العام سيكون مهماً في تحديد اتجاه المالية العامة، فإذا أدت زيادة الإيرادات النفطية وتحسن التحصيل الضريبي والجمركي إلى تضييق الفجوة مع الإنفاق، بالتوازي مع ضبط نمو النفقات الجارية، فقد يبقى العجز ضمن حدود يمكن إدارتها.
أما إذا استمر الإنفاق في النمو بمعدلات تفوق قدرة الإيرادات على الارتفاع، فإن مشكلة التمويل والاستدامة المالية ستصبح أكثر وضوحاً، وقد تنتقل من تحدٍّ مرحلي إلى قضية هيكلية تحتاج إلى معالجة أعمق.
الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية ختمت حديثها لـ "العين السورية" بالقول إنه لا ينبغي أن يكون السؤال حول موازنة 2026 هو:
الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية ختمت حديثها لـ "العين السورية" بالقول إنه لا ينبغي أن يكون السؤال حول موازنة 2026 هو:
هل سجلت الدولة عجزاً أم فائضاً؟ فهذا السؤال، رغم أهميته، لا يقدم وحده حكماً اقتصادياً متكاملاً، السؤال الأهم هو:
هل العجز يمول إعادة بناء الاقتصاد أم يمول استهلاكاً جارياً؟ وهل الإيرادات تنمو بسبب توسع الاقتصاد أم بسبب زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي؟ وهل البيانات المنشورة تسمح للمجتمع الاقتصادي بمعرفة الإجابة؟.
ولاسيما وأن سورية في مرحلة تحتاج فيها إلى الإنفاق، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الانضباط المالي، تحتاج إلى زيادة الإيرادات، لكنها تحتاج أيضاً إلى ألا تتحول زيادة التحصيل إلى عبء على الاستثمار والإنتاج، وتحتاج إلى تمويل إعادة البناء، لكنها تحتاج إلى أن يكون هذا التمويل واضح المصدر والتكلفة والأثر.
والأهم أنها تحتاج إلى شفافية مالية تتناسب مع حجم التحولات الاقتصادية الجارية، فالموازنة العامة ليست مجرد أرقام تعتمدها وزارة المالية، وإنما هي المرآة التي تعكس أولويات الدولة وطريقة إدارتها للموارد العامة.
وكلما كانت البيانات أكثر تفصيلاً وانتظاماً وقابلية للتحقق، أصبح تقييم الأداء أكثر موضوعية، وازدادت قدرة القطاع الخاص والمستثمرين والمواطنين على بناء توقعاتهم.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لموازنة 2026 لا يتمثل فقط في كيفية سد فجوة المليار دولار، وإنما في كيفية بناء منظومة مالية:
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لموازنة 2026 لا يتمثل فقط في كيفية سد فجوة المليار دولار، وإنما في كيفية بناء منظومة مالية:
تجعل العجز قابلاً للإدارة، والإنفاق منتجاً، والإيرادات مستدامة، والبيانات متاحة بصورة تسمح بالرقابة والمساءلة.
ففي مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، قد يكون العجز المؤقت مقبولاً، وقد يكون الإنفاق المرتفع ضرورياً، لكن ما لا ينبغي أن يبقى قائماً هو اتساع الفجوة بين حجم الموارد العامة المتداولة وبين مستوى المعلومات المتاحة عن كيفية تحصيلها وإنفاقها.
إن استعادة الثقة بالاقتصاد السوري لن تتحقق بالأرقام الكبيرة وحدها، بل بالقدرة على تفسير هذه الأرقام، وإتاحة تفاصيلها، وإثبات أن المال العام يتحول فعلاً إلى إنتاج وخدمات واستثمار ونمو.
إن استعادة الثقة بالاقتصاد السوري لن تتحقق بالأرقام الكبيرة وحدها، بل بالقدرة على تفسير هذه الأرقام، وإتاحة تفاصيلها، وإثبات أن المال العام يتحول فعلاً إلى إنتاج وخدمات واستثمار ونمو.


