سوريا - اقتصاد
موسم القمح.. تعافٍ مرحليّ أم خطوةٌ نحو الاكتفاء الذاتي؟
ا
العين السورية - محمد كساح
نشر في: ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:١٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا يكفي الحصول على موسم قمح استثنائي هذا العام لتقييم مدى التحسن الذي طاول القطاع الزراعي منذ سقوط النظام المخلوع، وخاصة أنّ الموسم الحالي تعرض لتحديات وعوائق عديدة.
من هذه التحديات ما يضعف الثقة لدى المزارع حول قدرة الوزارات المعنية على حل مشكلات التكاليف من جهة، وتسويق المنتج الزراعي الذي اتصف قسم منه بوفرة غير مسبوقة، من جهة أخرى.
كل هذه النقاط تثير علامات استفهام مهمة وملحّة، فهل تحقيق وفرة كبيرة في موسم القمح الحالي يعني النجاح في تحسين قطاع الزراعة؟.
وهل تمهد هذه الوفرة لاستحقاق أكبر وهو تحوّل سوريا إلى دولة مصدّرة للقمح؟ والسؤال الأهم: كيف يمكن بناء منظومة زراعية متكاملة تصل بسوريا إلى بر الأمان الغذائي؟
التغلّب على العوائق
في هذا الصدد، يعدد مدير الشؤون الزراعية في وزارة الزراعة السورية المهندس أحمد الأحمد في تصريح خاص بــ"العين السورية" المشكلات والعوائق التي طالت محصول القمح الحالي.
ومن أبرزها صعوبة تأمين استلام القمح بسبب خروج قسم من مستودعات وصوامع الحبوب عن الخدمة نتيجة التخريب والدمار في فترة الثورة.
وأشار الأحمد إلى أنّ الحكومة -من أجل حل هذه المشكلة- عملت على تأهيل عدد من المراكز الجديدة وأماكن الاستلام كما تم إطلاق منصة إلكترونية لحجز دور تسليم القمح تجنبا للاختناقات والازدحامات.
ولفت الأحمد إلى ارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات الإنتاج، ما شكّل عائقاً كبيراً أمام موسم القمح وتمّ تجاوز هذا العائق من خلال القرض الحسن الذي تمّ من خلاله توزيع البذار والأسمدة بشكل مدعوم.
وفي الأثناء قامت الحكومة في المنطقة الشرقية بتوزيع المازوت المدعوم لضمان ري القمح بما لا يؤثر على الإنتاج، كما تم تسعير القمح بناء على التكاليف بشكل جيد وكانت المكافأة التشجيعية التي قدمها الرئيس عاملاً كبيراً في تحقيق ربح لمزارعي القمح.
وحول التحديات التي تواجه القطاع الزراعي بشكل عام، أكد الأحمد أنها تشمل التغير المناخي وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي والبيطري وخروج بعض الأراضي عن الاستثمار بسبب الألغام ومخلفات الحرب، إضافة إلى ترهل القوانين وعدم وجود سوق تصريف حقيقية للمنتج الزراعي السوري.
خطة حكومية محكمة
وفي السياق، أشار الأحمد إلى أن وزارة الزراعة تطبق خطة زراعية واضحة المعالم، وأبرز عناوينها كان:
السماح للقطاع الخاص بأخذ دوره في التنمية الاقتصادية والزراعية والإشراف على عملية مساهمته في نهضة الزراعة من خلال الزراعة التعاقدية وتقديم المستلزمات والمعدات على شكل قروض ميسرة دون فائدة وضمان أساليب تغليف وتعبئة مناسبة.
إضافة إلى تحديث منظومة المخابر والجودة، وصولاً إلى تأمين أسواق خارجية يحقق فيها المنتج الزراعي السوري المكانة والربح اللذين يستحقهما بما ينعكس إيجاباً على الفلاحين.
وتابع الأحمد، بأن الخطة تشمل أيضاً مشاريع تخص البنى التحتية وإجراءات تحديث التقنيات والمفاهيم والدعم الفني، إضافة إلى سلسلة قرارات وقوانين تواكب التطور العالمي وتراعي السياق السوري بما يضمن استمرار المزارع في أرضه ومهنته.
إضافة إلى حزمة من الإجراءات مثل القرض الحسن وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار وجودة مناسبتين وتأمين تسويق الحاصلات الزراعية وتصديرها للخارج.
خارج الأرقام المعلنة
المؤسسة العامة السورية للحبوب صرحت في وقت سابق، أنها استلمت حوالي 2.7 مليون طن من القمح في الموسم الحالي، بزيادة 150 ألف طن عن الحاجة السنوية المقدرة بـ2.55 مليون طن، وهي أرقام كبيرة لها دلالتها المهمة حول مصير القطاع الزراعي في الأعوام المقبلة.
ويلاحظ الباحث في شركة "كرم شعار للاستشارات" ملهم جزماتي أنّ الموسم الحالي أفضل من الموسم السابق، ويمكن القول إن إنتاج القمح حقق تعافياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يتحفظ على اعتبار ذلك دليلاً على أن مشكلة القمح في سوريا قد حُلّت، لأن جزءاً مهماً من التحسن مرتبط بتحسن الظروف المناخية والهطولات المطرية.
ويضيف جزماتي خلال حديث لـ"العين السورية" أن الاختبار الحقيقي ليس حجم الإنتاج في سنة جيدة مطرياً، وإنما قدرة القطاع على المحافظة على مستوى مقبول من الإنتاج عندما تكون الظروف المناخية أصعب، وهذا يحتاج إلى معالجة مشكلات الري والطاقة والبذار والأسمدة وتكاليف الإنتاج.
وبناء عليه، يشير جزماتي إلى ضرورة التمييز بين موسم ناجح ومنظومة زراعية ناجحة، مؤكداً أن الأول تحقق إلى حد كبير هذا العام، أما الثانية فما زال أمامها الكثير.
من جانبه، يرى الباحث في مركز "عمران للدراسات" أيمن الدسوقي أن تحسن إنتاج القمح لهذا الموسم جاء مشفوعاً بالموسم المطري الجيد بشكل أساسي، إلى جانب استعادة الحكومة السورية مركزيتها بشكل كبير في إدارة ملف القمح بالوقت الذي كانت تتقاسمه أطراف متعددة.
ومع ذلك، يبقى هذا التحسن عرضة للانتكاس إذ لا ضمان بخصوص الهطولات المطرية من جهة، كما أن إدارة الحكومة لملف القمح أظهرت فجوات في الدعم والتواصل والإدارة والتمويل بحاجة إلى معالجتها كي لا تؤثر سلباً على موسم القمح القادم، وفقاً لما يضيفه الدسوقي خلال حديثه لــ"العين السورية".
تأخر المستحقات!
من أبرز المشكلات التي واجهت موسم القمح الحالي، تأخر صرف مستحقات المزارعين، وهي مشكلة قد تضعف الثقة بين المزارع والدولة، لأن السعر التشجيعي يفقد جزءاً من أهميته إذا لم يحصل المزارع على مستحقاته في الوقت المناسب.
ويرى جزماتي أن المزارع يحتاج هذه السيولة لسداد التزاماته والتحضير للموسم التالي، وتأخيرها يعني عملياً أنه يموّل شراء الدولة للقمح من رأس ماله الخاص.
ويرى ضرورة أن تكون السيولة مؤمّنة قبل بدء موسم التسويق، مع تحديد مدة واضحة وملزمة لصرف المستحقات بعد التسليم، وأنّ انتظام الدفع ليس مسألة مالية فقط، بل شرط لبناء الثقة وتشجيع المزارع على الاستمرار بزراعة القمح.
بدوره، يشير أيمن الدسوقي إلى أن صرف مستحقات المزارعين أظهر فجوات تشغيلية منها: مدى توافر السيولة المالية، ومدى سهولة ووضوح الإجراءات الإدارية والمعايير المتبعة في صرف المستحقات، ومدى كفاية المراكز المعتمدة لصرف السيولة.
ويلفت إلى أن ضرورة وجود سياسة تواصل حكومية فعّالة مع الفلاحين، إلى جانب إعادة الاعتبار للبنى التي تمثل مصالحهم وتطرح مشاكلهم وتتفاوض عليها مع المؤسسات الحكومية، والأهم إعطاء الحكومة الملف الزراعي أولوية كقطاع حيوي وما يتطلبه من استراتيجية وموارد.
تحديات القطاع الزراعي
يرى الباحث جزماتي أن المشكلة الأساسية التي تواجه موسم القمح والقطاع الزراعي هي أن المزارع السوري يتحمل معظم المخاطر بمفرده، فهو قبل الإنتاج يواجه مشكلة المياه والطاقة وارتفاع كلفة البذار والأسمدة والتمويل، وفي أثناء الموسم يتحمل مخاطر المناخ، وبعد نجاحه في الإنتاج تبدأ مشكلة التسويق والأسعار.
ويشير إلى أن ما حدث في بعض محاصيل الخضار هذا الموسم يوضح المشكلة جيداً: أحياناً لا تكون الأزمة في ضعف الإنتاج، بل في وفرته، عندما يؤدي ارتفاع المعروض إلى انهيار الأسعار وخسارة المزارع.
وهنا تظهر مشكلة ما بعد الحصاد، التخزين، التبريد، التوضيب، التصنيع الغذائي، النقل والتصدير، لذلك يمكن أن نعاني من نقص محصول في سنة، ثم من فائض وخسائر في المحصول نفسه في سنة أخرى.
أما الدسوقي فيرى أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي اليوم انهيار منظومة الحوكمة التي كانت تدير قطاع الزراعة في الحكومات السابقة، في الوقت الذي يحتاج فيه القطاع الزراعي إلى تخطيط ودعم حكومي حيوي لإنعاشه.
وعلى الطرف المقابل، يتحمل الفلاحون جزءاً من المسؤولية فيما يتعلق باعتماد أساليب الزراعة التقليدية التي باتت غير مجدية.
بناء منظومة إنتاج زراعي متوازنة
في نفس السياق، يوصي جزماتي بتغيير طريقة التفكير في الخطة الزراعية، إذا ما كان الهدف البعيد بناء منظومة إنتاج زراعي متكاملة ومتوازنة، فلا يكفي أن نحدد المساحات التي نريد زراعتها من كل محصول، بل يجب أن نسأل بالتوازي: من سيشتري الإنتاج؟ وكم يستوعب السوق؟ وأين سيذهب الفائض؟
ويرى أن هذا يعني ربط الخطة الزراعية بحاجة السوق المحلية، وقدرات التخزين والتصنيع، وفرص التصدير.
من جانبه، يرى الباحث أيمن الدسوقي أن بناء منظومة زراعية متوازنة يحتاج إلى الموائمة بين السياسات الاقتصادية الكلية، فلا يستقيم دعم الزراعة بمكان وفتح باب الاستيراد لمنتجات زراعية من دول تدعم محاصيلها الزراعية بشكل يجعلها منافسة للمنتج المحلي.
إلى جانب توجيه الحكومة استثمارات القطاع الخاص لقطاع الزراعة، بما يتطلبه من التفكير بشكل ونمط الاستثمار واستدامة الموارد، ومنح هذه الاستثمارات أولوية وحوافر تشجيعية.
هل يمكن أن نتحول إلى دولة مصدّرة للقمح؟
يتطلب تحوّل سوريا إلى دولة مصدّرة للقمح دعماً حكومياً، وتغييراً في أنماط الزراعة المتبعة، واستثمارات موجهة لدعم زراعة القمح وإنتاجه وتسويقه.
وقبل الحديث عن التصدير، يؤكد ملهم جزماتي على أهمية ضمان تغطية الاستهلاك المحلي بصورة مستقرة وتكوين مخزون استراتيجي مناسب، والأهم أن نستطيع المحافظة على ذلك في المواسم الجيدة والسيئة، وما يزيد بعد ذلك يمكن اعتباره فائضاً حقيقياً قابلاً للتصدير.
ويدعو للنظر إلى الجدوى الاقتصادية، فالقمح محصول استراتيجي، لكنه يستهلك الأرض والمياه، وسوريا تواجه تحدياً مائياً كبيراً، لذلك قد يكون من الأجدى توجيه الصادرات الزراعية نحو محاصيل ومنتجات غذائية تحقق قيمة أعلى وعائداً أكبر من الموارد المستخدمة.
ويرى جزماتي في ختام حديثه لـ"العين السورية" أن الأولوية هي أن تصبح سوريا مستقرة في تأمين احتياجاتها من القمح قبل أن تصبح دولة مصدرة له، فالنجاح الحقيقي ليس أن نصدر القمح في سنة جيدة، بل ألا نعود إلى أزمة قمح كبيرة عندما يأتي موسم جاف.
من هذه التحديات ما يضعف الثقة لدى المزارع حول قدرة الوزارات المعنية على حل مشكلات التكاليف من جهة، وتسويق المنتج الزراعي الذي اتصف قسم منه بوفرة غير مسبوقة، من جهة أخرى.
كل هذه النقاط تثير علامات استفهام مهمة وملحّة، فهل تحقيق وفرة كبيرة في موسم القمح الحالي يعني النجاح في تحسين قطاع الزراعة؟.
وهل تمهد هذه الوفرة لاستحقاق أكبر وهو تحوّل سوريا إلى دولة مصدّرة للقمح؟ والسؤال الأهم: كيف يمكن بناء منظومة زراعية متكاملة تصل بسوريا إلى بر الأمان الغذائي؟
التغلّب على العوائق
في هذا الصدد، يعدد مدير الشؤون الزراعية في وزارة الزراعة السورية المهندس أحمد الأحمد في تصريح خاص بــ"العين السورية" المشكلات والعوائق التي طالت محصول القمح الحالي.
ومن أبرزها صعوبة تأمين استلام القمح بسبب خروج قسم من مستودعات وصوامع الحبوب عن الخدمة نتيجة التخريب والدمار في فترة الثورة.
وأشار الأحمد إلى أنّ الحكومة -من أجل حل هذه المشكلة- عملت على تأهيل عدد من المراكز الجديدة وأماكن الاستلام كما تم إطلاق منصة إلكترونية لحجز دور تسليم القمح تجنبا للاختناقات والازدحامات.
ولفت الأحمد إلى ارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات الإنتاج، ما شكّل عائقاً كبيراً أمام موسم القمح وتمّ تجاوز هذا العائق من خلال القرض الحسن الذي تمّ من خلاله توزيع البذار والأسمدة بشكل مدعوم.
وفي الأثناء قامت الحكومة في المنطقة الشرقية بتوزيع المازوت المدعوم لضمان ري القمح بما لا يؤثر على الإنتاج، كما تم تسعير القمح بناء على التكاليف بشكل جيد وكانت المكافأة التشجيعية التي قدمها الرئيس عاملاً كبيراً في تحقيق ربح لمزارعي القمح.

وحول التحديات التي تواجه القطاع الزراعي بشكل عام، أكد الأحمد أنها تشمل التغير المناخي وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي والبيطري وخروج بعض الأراضي عن الاستثمار بسبب الألغام ومخلفات الحرب، إضافة إلى ترهل القوانين وعدم وجود سوق تصريف حقيقية للمنتج الزراعي السوري.
خطة حكومية محكمة
وفي السياق، أشار الأحمد إلى أن وزارة الزراعة تطبق خطة زراعية واضحة المعالم، وأبرز عناوينها كان:
السماح للقطاع الخاص بأخذ دوره في التنمية الاقتصادية والزراعية والإشراف على عملية مساهمته في نهضة الزراعة من خلال الزراعة التعاقدية وتقديم المستلزمات والمعدات على شكل قروض ميسرة دون فائدة وضمان أساليب تغليف وتعبئة مناسبة.
إضافة إلى تحديث منظومة المخابر والجودة، وصولاً إلى تأمين أسواق خارجية يحقق فيها المنتج الزراعي السوري المكانة والربح اللذين يستحقهما بما ينعكس إيجاباً على الفلاحين.
وتابع الأحمد، بأن الخطة تشمل أيضاً مشاريع تخص البنى التحتية وإجراءات تحديث التقنيات والمفاهيم والدعم الفني، إضافة إلى سلسلة قرارات وقوانين تواكب التطور العالمي وتراعي السياق السوري بما يضمن استمرار المزارع في أرضه ومهنته.
إضافة إلى حزمة من الإجراءات مثل القرض الحسن وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار وجودة مناسبتين وتأمين تسويق الحاصلات الزراعية وتصديرها للخارج.
خارج الأرقام المعلنة
المؤسسة العامة السورية للحبوب صرحت في وقت سابق، أنها استلمت حوالي 2.7 مليون طن من القمح في الموسم الحالي، بزيادة 150 ألف طن عن الحاجة السنوية المقدرة بـ2.55 مليون طن، وهي أرقام كبيرة لها دلالتها المهمة حول مصير القطاع الزراعي في الأعوام المقبلة.
ويلاحظ الباحث في شركة "كرم شعار للاستشارات" ملهم جزماتي أنّ الموسم الحالي أفضل من الموسم السابق، ويمكن القول إن إنتاج القمح حقق تعافياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يتحفظ على اعتبار ذلك دليلاً على أن مشكلة القمح في سوريا قد حُلّت، لأن جزءاً مهماً من التحسن مرتبط بتحسن الظروف المناخية والهطولات المطرية.
ويضيف جزماتي خلال حديث لـ"العين السورية" أن الاختبار الحقيقي ليس حجم الإنتاج في سنة جيدة مطرياً، وإنما قدرة القطاع على المحافظة على مستوى مقبول من الإنتاج عندما تكون الظروف المناخية أصعب، وهذا يحتاج إلى معالجة مشكلات الري والطاقة والبذار والأسمدة وتكاليف الإنتاج.
وبناء عليه، يشير جزماتي إلى ضرورة التمييز بين موسم ناجح ومنظومة زراعية ناجحة، مؤكداً أن الأول تحقق إلى حد كبير هذا العام، أما الثانية فما زال أمامها الكثير.
من جانبه، يرى الباحث في مركز "عمران للدراسات" أيمن الدسوقي أن تحسن إنتاج القمح لهذا الموسم جاء مشفوعاً بالموسم المطري الجيد بشكل أساسي، إلى جانب استعادة الحكومة السورية مركزيتها بشكل كبير في إدارة ملف القمح بالوقت الذي كانت تتقاسمه أطراف متعددة.
ومع ذلك، يبقى هذا التحسن عرضة للانتكاس إذ لا ضمان بخصوص الهطولات المطرية من جهة، كما أن إدارة الحكومة لملف القمح أظهرت فجوات في الدعم والتواصل والإدارة والتمويل بحاجة إلى معالجتها كي لا تؤثر سلباً على موسم القمح القادم، وفقاً لما يضيفه الدسوقي خلال حديثه لــ"العين السورية".
❝يتحمل الفلاحون جزءاً من المسؤولية فيما يتعلق باعتماد أساليب الزراعة التقليدية التي باتت غير مجديةويستبعد أن تكون سوريا قد وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، إذ ما يزال القياس على معدلات الإنتاج سابقاً ومعدلات الاستهلاك بوقت تتبدل فيه المعطيات الديموغرافية والاستهلاكية.
❞
تأخر المستحقات!
من أبرز المشكلات التي واجهت موسم القمح الحالي، تأخر صرف مستحقات المزارعين، وهي مشكلة قد تضعف الثقة بين المزارع والدولة، لأن السعر التشجيعي يفقد جزءاً من أهميته إذا لم يحصل المزارع على مستحقاته في الوقت المناسب.
ويرى جزماتي أن المزارع يحتاج هذه السيولة لسداد التزاماته والتحضير للموسم التالي، وتأخيرها يعني عملياً أنه يموّل شراء الدولة للقمح من رأس ماله الخاص.
ويرى ضرورة أن تكون السيولة مؤمّنة قبل بدء موسم التسويق، مع تحديد مدة واضحة وملزمة لصرف المستحقات بعد التسليم، وأنّ انتظام الدفع ليس مسألة مالية فقط، بل شرط لبناء الثقة وتشجيع المزارع على الاستمرار بزراعة القمح.
بدوره، يشير أيمن الدسوقي إلى أن صرف مستحقات المزارعين أظهر فجوات تشغيلية منها: مدى توافر السيولة المالية، ومدى سهولة ووضوح الإجراءات الإدارية والمعايير المتبعة في صرف المستحقات، ومدى كفاية المراكز المعتمدة لصرف السيولة.
ويلفت إلى أن ضرورة وجود سياسة تواصل حكومية فعّالة مع الفلاحين، إلى جانب إعادة الاعتبار للبنى التي تمثل مصالحهم وتطرح مشاكلهم وتتفاوض عليها مع المؤسسات الحكومية، والأهم إعطاء الحكومة الملف الزراعي أولوية كقطاع حيوي وما يتطلبه من استراتيجية وموارد.
تحديات القطاع الزراعي
يرى الباحث جزماتي أن المشكلة الأساسية التي تواجه موسم القمح والقطاع الزراعي هي أن المزارع السوري يتحمل معظم المخاطر بمفرده، فهو قبل الإنتاج يواجه مشكلة المياه والطاقة وارتفاع كلفة البذار والأسمدة والتمويل، وفي أثناء الموسم يتحمل مخاطر المناخ، وبعد نجاحه في الإنتاج تبدأ مشكلة التسويق والأسعار.
ويشير إلى أن ما حدث في بعض محاصيل الخضار هذا الموسم يوضح المشكلة جيداً: أحياناً لا تكون الأزمة في ضعف الإنتاج، بل في وفرته، عندما يؤدي ارتفاع المعروض إلى انهيار الأسعار وخسارة المزارع.
وهنا تظهر مشكلة ما بعد الحصاد، التخزين، التبريد، التوضيب، التصنيع الغذائي، النقل والتصدير، لذلك يمكن أن نعاني من نقص محصول في سنة، ثم من فائض وخسائر في المحصول نفسه في سنة أخرى.
أما الدسوقي فيرى أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي اليوم انهيار منظومة الحوكمة التي كانت تدير قطاع الزراعة في الحكومات السابقة، في الوقت الذي يحتاج فيه القطاع الزراعي إلى تخطيط ودعم حكومي حيوي لإنعاشه.
وعلى الطرف المقابل، يتحمل الفلاحون جزءاً من المسؤولية فيما يتعلق باعتماد أساليب الزراعة التقليدية التي باتت غير مجدية.
بناء منظومة إنتاج زراعي متوازنة
في نفس السياق، يوصي جزماتي بتغيير طريقة التفكير في الخطة الزراعية، إذا ما كان الهدف البعيد بناء منظومة إنتاج زراعي متكاملة ومتوازنة، فلا يكفي أن نحدد المساحات التي نريد زراعتها من كل محصول، بل يجب أن نسأل بالتوازي: من سيشتري الإنتاج؟ وكم يستوعب السوق؟ وأين سيذهب الفائض؟
ويرى أن هذا يعني ربط الخطة الزراعية بحاجة السوق المحلية، وقدرات التخزين والتصنيع، وفرص التصدير.
❝ الأولوية هي أن تصبح سوريا مستقرة في تأمين احتياجاتها من القمح قبل أن تصبح دولة مصدرة لهكما يجب التركيز على رفع الإنتاجية وليس فقط زيادة المساحات، خصوصاً في ظل مشكلة المياه، فالمطلوب أصناف أفضل، وري أكثر كفاءة، وتمويل مناسب، وإرشاد زراعي، ومعلومات عن السوق تساعد المزارع في اتخاذ قرار الزراعة.
❞
من جانبه، يرى الباحث أيمن الدسوقي أن بناء منظومة زراعية متوازنة يحتاج إلى الموائمة بين السياسات الاقتصادية الكلية، فلا يستقيم دعم الزراعة بمكان وفتح باب الاستيراد لمنتجات زراعية من دول تدعم محاصيلها الزراعية بشكل يجعلها منافسة للمنتج المحلي.
إلى جانب توجيه الحكومة استثمارات القطاع الخاص لقطاع الزراعة، بما يتطلبه من التفكير بشكل ونمط الاستثمار واستدامة الموارد، ومنح هذه الاستثمارات أولوية وحوافر تشجيعية.
هل يمكن أن نتحول إلى دولة مصدّرة للقمح؟
يتطلب تحوّل سوريا إلى دولة مصدّرة للقمح دعماً حكومياً، وتغييراً في أنماط الزراعة المتبعة، واستثمارات موجهة لدعم زراعة القمح وإنتاجه وتسويقه.
وقبل الحديث عن التصدير، يؤكد ملهم جزماتي على أهمية ضمان تغطية الاستهلاك المحلي بصورة مستقرة وتكوين مخزون استراتيجي مناسب، والأهم أن نستطيع المحافظة على ذلك في المواسم الجيدة والسيئة، وما يزيد بعد ذلك يمكن اعتباره فائضاً حقيقياً قابلاً للتصدير.
ويدعو للنظر إلى الجدوى الاقتصادية، فالقمح محصول استراتيجي، لكنه يستهلك الأرض والمياه، وسوريا تواجه تحدياً مائياً كبيراً، لذلك قد يكون من الأجدى توجيه الصادرات الزراعية نحو محاصيل ومنتجات غذائية تحقق قيمة أعلى وعائداً أكبر من الموارد المستخدمة.
ويرى جزماتي في ختام حديثه لـ"العين السورية" أن الأولوية هي أن تصبح سوريا مستقرة في تأمين احتياجاتها من القمح قبل أن تصبح دولة مصدرة له، فالنجاح الحقيقي ليس أن نصدر القمح في سنة جيدة، بل ألا نعود إلى أزمة قمح كبيرة عندما يأتي موسم جاف.


