سوريا - اقتصاد
ميزات ضائعة وفوات منفعة مزمن ... أرواد تتأهل للاقتصاد الأزرق
ا
العين السورية - هبة الكل
نشر في: ٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، شكّلت جزيرة أرواد إحدى أبرز محطات الربط الاستراتيجية على طرق التجارة البحرية لمدن المتوسط، ولعبت المدينة الفينيقية دوراً محورياً في الملاحة، وبناء السفن، وربط الموانئ بالمناطق الساحلية.
ورغم هذا الإرث التاريخي البحري، واجهت الجزيرة على مدى عقود، تحدّياتٍ معقدة، تمثلت في تراجع الخدمات العامة، وتدهور البنية التحتية، فضلاً عن غياب الاستثمارات السياحية والبحرية في استغلال موقعها الجيو اقتصادي.
ركيزة تنموية
اليوم، تعود أرواد إلى واجهة الاهتمام الرسمي، مع إعلان الحكومة السورية عن خطط لإحياء دورها الاقتصادي، ضمن رؤية تستهدف تحويلها إلى إحدى ركائز التنمية والاستثمار في سوريا خلال المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات جدّية حول قدرة المشاريع المعلنة على تجاوز عقبات التمويل والبنية التحتية، وتحويل المأمول إلى واقع ملموس.
محطة انطلاق
يتزامن هذا التوجه مع إعادة افتتاح ميناء الطاحونة الرابط بين مدينة طرطوس والجزيرة، مع إطلاق موسم طرطوس السياحي لعام 2026، في خطوة وصفتها الجهات الرسمية بأنها جزء من مشروع أوسع لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة الساحلية.
في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي هانوفر سامر كعكرلي، أن اختيار أرواد كنقطة انطلاق لرؤية اقتصادية جديدة، يحمل أبعاداً تتجاوز الاعتبارات الجغرافية، موضحاً أنّ الجزيرة تحولت إلى منطقة مهمشة، بعد أن كانت من أهم المراكز البحرية، نتيجة سنوات طويلة من الإهمال والتقصير الحكومي، الأمر الذي أفضى إلى تراجع الخدمات والبنية التحتية، رغم ما تمتلكه من مقومات تاريخية واقتصادية.
ويشير كعكرلي إلى أنّ التركيز على الجزيرة، يحمل رسالة داخلية تؤكد أنّ الساحل السوري، بموانئه وجزره ومياهه الإقليمية، يشكل جزءاً أساسياً من مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المقبلة، كما يعكس هذا التوجه رغبة رسمية في إعادة الاعتبار للاقتصاد البحري، الذي ظل لعقود أقل حضوراً في السياسات الاقتصادية، مقارنة بالقطاعات الزراعية والبرية، رغم ما يمتلكه الساحل السوري من فرص في مجالات النقل البحري، والخدمات اللوجستية والسياحة البحرية، وصيانة السفن.
وعلى الصعيد الخارجي، يعتبر كعكرلي أنّ الخطوة تحمل رسائل سياسية، تؤكد تمسك سوريا بحقوقها البحرية، وثرواتها الطبيعية في شرق المتوسط، سواء في قطاع الطاقة أو الثروة السمكية.
مزايا تنافسية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، أن ّأرواد تمتلك مزايا تنافسية لاستضافة مشاريع بحرية متخصصة، حيث يمنحها موقعها قبالة ساحل طرطوس، ميزة لوجستية مُهمة على الساحل الشرقي للمتوسط، فضلاً عن إرثها التاريخي العريق في الصناعات البحرية، وصيانة السفن.
ويضيف الحمدي أنّ محدودية التوسع العمراني في الجزيرة، مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى، قد تتيح تطوير مشاريع جديدة بتكاليف أقل نسبياً، في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالاقتصاد الأزرق القائم على استثمار الموارد والأنشطة البحرية بشكل مستدام، ومؤكداً على أن أرواد تمثل نموذجاً استثمارياً أقل تعقيداً من المشاريع الصناعية الثقيلة التي تحتاج إلى مساحات واسعة، واستثمارات ضخمة في البنية الأساسية.
بين الوعود والأفعال
ورغم الحديث عن استثمارات تتجاوز 1.5 مليار دولار، يشدّد الخبراء على ضرورة التمييز بين الاتفاقيات ومذكرات التفاهم من جهة، ومشاريع الاستثمارات المنفذة فعلياً على الأرض من جهة أخرى، إذ أنّ المؤشرات الاقتصادية لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بمستوى التنفيذ، ومدى قدرتها على خلق فرص عمل حقيقية.
في هذا الإطار، يوضح المحلل كعكرلي أنّ الأرقام الاستثمارية الضخمة، تعكس اهتماماً متزايداً بالسوق السورية، لكنها لن تتحول إلى أثر اقتصادي حقيقي ما لم تترجم إلى مشاريع إنتاجية، مشيراً إلى أنّ حركة رسو نحو 15 سفينة شهرياً، تظل غير كافية لتحويل أرواد إلى رافعة اقتصادية كبرى، في حال اقتصر النشاط على أعمال الصيانة المحدودة، ولافتاً إلى أنّ الموانىء الناجحة تعتمد على كثافة حركة الشحن، والخدمات البحرية المتكاملة، والتجارة العابرة.
ولتحقيق أثر اقتصادي ملموس، يعتقد الدكتور الحمدي أنه يتطلب نقلة نوعية لتطوير منظومة كاملة تشمل مركزاً إقليمياً للتبادل التجاري وصيانة السفن، وخدمات لوجستية وتموينية بحرية، إلى جانب منطقة حرة متخصصة، ومرافق داعمة للنشاط التجاري، ومؤكداً أن القيمة المضافة للموانىء لا تنبع من رسوم الرسو التقليدية، بل من حزمة خدمات مرافقة لحركة السفن والبضائع.
تحديات لوجستية وهيكلية
يواجه مشروع تطوير أرواد جملة من التحديات، يجملها الدكتور الحمدي في الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية البحرية، والمنافسة الإقليمية مع موانئ متقدمة في تركيا ومصر واليونان وقبرص، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، ومحدودية الربط اللوجستي مع الداخل السوري، والحاجة لتأهيل كوادر بحرية وفنية متخصصة.
أما المحلل كعكرلي، فيرى أن البنية التحتية تمثل العقبة الأكبر، فأي مركز اقتصادي بحري يحتاج إلى مرافئ حديثة، وشبكات نقل فعالة، وإمدادت مستقرة من الطاقة والاتصالات، ويشير إلى عقبة التمويل في ظل الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة لإعادة بناء الاقتصاد السوري، إلى جانب بناء الثقة الاستثمارية، فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وقابلة للتنبؤ، تضمن حماية الحقوق، واستقرار القوانين الناظمة.
عوامل جذب
يُجمع الخبراء على أنّ الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لجذب الاستثمارات في الجزيرة، فبحسب الخبير الحمدي يشكل استقرار التشريعات، وضمان حرية تحويل الأرباح، وسرعة الفصل في النزاعات التجارية، والحماية من المخاطر السياسية، قائمة أولويات جذب المستثمر، ومشدّداً على أهمية إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، تمنح حوافز جمركية وضريبية جاذبة.
بالمقابل، يعتبر كعكرلي أن ضمان حقوق الملكية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ومكافحة الفساد والبيروقراطية، تشكل بمجموعها عوامل أساسية في قرار المستثمر، متوقعاً أنّ رؤوس الأموال السورية، في الداخل والخارج، قد تكون الأكثر استعداداً للمبادرة في هذه المرحلة الراهنة، مقارنة بالمستثمر الأجنبي الذي لا يزال يتعامل بحذر مع السوق السورية.
تكتسب جزيرة أرواد أهمية مضاعفة اليوم، أمام ما يشكله النقل البحري ونسبة 80% من حجم التجارة العالمية، فالموقع الاستراتيجي، والقدرة على الاندماج في شبكات التجارة الإقليمية والدولية، يشكلان المعايير التي سترسم مستقبل أرواد الاقتصادي.


