سوريا - اقتصاد
ميزة مهدورة لمحصول " حوراني" شهير.. بين الحقل وأسواق الهال رحلة استنزاف للشقاء والآمال
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٢ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في أسواق الخضار السورية لا يحتاج المشتري إلى كثير من السؤال عندما يبحث عن البندورة ذات اللون الأحمر القاني والقوام المتماسك، والطعم الذي يجمع بين الحلاوة والحموضة بنسب متوازنة فغالباً ما يسمع عبارة تتردد على ألسنة الباعة: هذه بندورة حورانية.
ولم يعد هذا الوصف مجرد دلالة على مكان الإنتاج بل تحول مع مرور السنوات إلى علامة جودة اكتسبتها البندورة المزروعة في سهول حوران، حتى بات اسمها يسبقها إلى الأسواق ويشكل معياراً تقاس عليه جودة البندورة في كثير من المحافظات السورية. فاللون المتجانس والطعم المميز والقدرة على التحمل أثناء النقل والتخزين جعلت من البندورة الحورانية منتجاً مطلوباً لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.
ميزة ضائعة
غير أن هذه السمعة التي صنعتها التربة البركانية الخصبة والمناخ الملائم وخبرة الفلاحين الممتدة لعقود، تخفي خلفها واقعاً أكثر قسوة إذ يقف المزارع اليوم أمام معادلة صعبة فهو ينتج واحدة من أجود أنواع البندورة في سورية لكنه غالباً ما يكون الأقل استفادة من ثمار تعبه.
ففي ريف درعا تبدأ الحكاية مع نهاية شهر شباط حين يباشر الفلاحون بزراعة العروة المبكرة تحت الأنفاق البلاستيكية لتتوالى بعدها العروات حتى يتحول سهل حوران خلال أشهر الصيف إلى أحد أكبر السلال الغذائية في سورية. وبينما يرى المستهلك ثمرة بندورة ناضجة على رفوف الأسواق، يرى المزارع فيها حصيلة أشهر طويلة من العمل الشاق، تبدأ بحراثة الأرض وتجهيزها وشراء البذار والشتول وتأمين الأسمدة والمبيدات وري المحصول وخدمته، وتنتهي بقطاف الثمار ونقلها إلى سوق الهال، حيث تتحدد قيمة موسم كامل خلال ساعات قليلة.
من نعمة إلى أزمة
يؤكد مدير زراعة درعا المهندس عاهد الزعبي، أن محصول البندورة من أهم المحاصيل الزراعية في المحافظة، إذ يزرع على أكثر من عروة وتبدأ الزراعة المبكرة منذ نهاية شهر شباط تحت الأنفاق البلاستيكية.
ويبين الزعبي في حديثه لـ " العين السورية"، أن المساحات المزروعة بالبندورة في درعا خلال الموسم الحالي بلغت نحو 3500 هكتاراً، بنسبة تنفيذ تجاوزت 225 بالمئة من الخطة الزراعية، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية التي يحظى بها هذا المحصول لدى فلاحي المحافظة.
ويشير مدير زراعة درعا، إلى أن البندورة تعد من أكثر المحاصيل تكلفة نظراً لارتفاع أسعار البذار والأسمدة والمبيدات، فضلاً عن حاجتها إلى أعداد كبيرة من الأيدي العاملة في مختلف مراحل الإنتاج، ورغم ذلك فإن ما تتمتع به محافظة درعا من تربة خصبة إلى جانب الخبرات المتراكمة لدى مزارعيها عبر عقود طويلة، يمنح الثمار جودة استثنائية من حيث اللون والطعم والإنتاجية الأمر الذي جعل اسم (البندورة الحورانية )مرادفاً للجودة في الأسواق السورية.
غير أن هذه الميزة بحسب الزعبي تتحول في ذروة الموسم إلى أحد أسباب الأزمة، فمع اتساع المساحات المزروعة وارتفاع الإنتاجية تبلغ كميات الإنتاج ذروتها خلال أشهر تموز وآب وأيلول، فتغرق الأسواق المحلية بكميات كبيرة من المحصول الأمر الذي يؤدي إلى انهيار الأسعار، ويضطر المزارعين إلى تسويق إنتاجهم إلى معامل التصنيع بأسعار تقارب تكلفة الإنتاج، بل تقل عنها في كثير من الأحيان.
المزارع خاسر والمستهلك أيضاً
عند الانتقال من الحقول إلى الأسواق تتكشف صورة أكثر تعقيداً. فالثمرة التي تغادر أرض المزارع بسعر متدنٍ تصل إلى المستهلك بعد أن يتضاعف سعرها عدة مرات بينما يبقى المنتج الحلقة الأضعف في سلسلة التسويق.
ويقول رئيس اتحاد الفلاحين في درعا المهندس فؤاد الحريري إن المستفيد الحقيقي من فارق السعر بين الحقل والسوق هم الوسطاء بدءاً من تاجر سوق الهال مروراً بتجار الجملة، وانتهاءً بتجار المفرق في حين يتحمل الفلاح كامل تكاليف الإنتاج والمخاطر الزراعية.
ويضيف الحريري في حديثه مع " العين السورية"، أن مزارعي البندورة يواجهون اليوم ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومحروقات ومبيدات، إضافة إلى الكلفة المرتفعة لتشغيل الآبار سواء على وقود الديزل أو عبر أنظمة الطاقة الشمسية وهو ما جعل تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد ترتفع بصورة كبيرة.
ويبين الحريري أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع التكاليف بل تمتد إلى غياب سوق واضحة ومستقرة لتصريف المحصول، إذ إن وجود سوق الهال لا يعني وجود منظومة تسويقية عادلة ، فالمزارع يبقى خاضعاً لأسعار السوق اليومية في ظل سيطرة الوسطاء على عمليات البيع والشراء.
ويؤكد أن المزارع يدفع أيضاً عمولات وأجوراً متعددة داخل سوق الهال، تشمل "الكومسيون" وأجور التحميل والتنزيل والعمالة والنظافة، والتي قد تستنزف ما بين 15 و20 بالمئة من قيمة المحصول، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل نتيجة زيادة أسعار المحروقات واضطرار كثير من المزارعين إلى نقل إنتاجهم إلى أسواق طفس أو نوى أو دمشق.
ويرى أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر حلول مؤقتة وإنما من خلال بناء منظومة تسويقية متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي بالمستهلك أو بالمصنع.
تدخل بلا نتيجة
يوضح الحريري، أن اتحاد الفلاحين طالب مراراً بتوفير مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومحروقات ومبيدات بأسعار مدعومة أو مخفضة، بما يخفف الأعباء المالية عن المزارعين ويضمن استمرارهم في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.
ويضيف، أن من أهم الحلول المطروحة التوسع في الصناعات التحويلية الخاصة بالبندورة، من خلال افتتاح معامل صغيرة ومتوسطة في مناطق الإنتاج، بحيث تستوعب فائض المحصول خلال ذروة الموسم وتحوله إلى منتجات ذات قيمة مضافة وفي مقدمتها دبس البندورة (رب البندورة) والكاتشب، الأمر الذي يحد من انهيار الأسعار ويوفر فرص عمل جديدة ويحقق استقراراً أكبر للمزارعين.
ويشير إلى أن الدولة تتجه إلى تشجيع إقامة مثل هذه المشاريع لما لها من دور في دعم القطاع الزراعي ، مؤكداً أن نجاحها يتطلب توفير التسهيلات للمستثمرين وربط هذه المعامل مباشرة بمناطق الإنتاج، بما يضمن تصريف المحصول والحد من الخسائر المتكررة.
متطلبات باهظة
يختصر الفلاح معن المبسبس واقع المزارعين بقوله إن زراعة البندورة أصبحت تحتاج إلى رأس مال كبير وصبر أكبر فالمزارع ينفق معظم مدخراته على الموسم لكنه لا يعرف في النهاية إن كان سيحقق ربحاً أم سيخرج بخسارة. ويضيف أن الفلاح يعتني بالمحصول لأشهر طويلة، وعندما يصل إلى سوق الهال لا يملك حق الاعتراض على السعر، بل يضطر إلى البيع حتى لا تتلف الثمار ، مؤكداً أن كثيراً من المزارعين اضطروا خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص المساحات المزروعة أو الاستدانة لتغطية نفقات الموسم.
أما الفلاح كاسر الرواشدة فيرى أن المشكلة ليست في قدرة حوران على الإنتاج وإنما في غياب التخطيط للتسويق. ويقول: إن البندورة الحورانية تمتلك مواصفات تؤهلها للوصول إلى الأسواق الخارجية لكن نقص مراكز الفرز والتوضيب وقلة الصناعات التحويلية وعدم وجود برامج تسويق أو عقود مسبقة مع المنتجين يجعل المزارع رهينة لتقلبات السوق اليومية، مضيفاً أن إقامة معامل تصنيع بالقرب من مناطق الإنتاج ستغير واقع هذا المحصول بصورة كبيرة.
رؤى في سوق الهال
من داخل سوق الهال بمدينة درعا يرى تاجر الخضار أجود الزعبي أن الانخفاض الكبير في الأسعار خلال ذروة الموسم يرتبط أساساً بزيادة المعروض مقارنة بحجم الطلب ، موضحاً أن السوق يستقبل يومياً عشرات الأطنان من البندورة وهو ما يؤدي تلقائياً إلى تراجع الأسعار.
ويؤكد أن تجارة الخضار لا تخلو أيضاً من المخاطر، فالتاجر قد يتعرض لخسائر نتيجة تلف البضائع أو كسادها، إلا أنه يقر بأن غياب معامل التصنيع الكافية وافتقار السوق إلى تنظيم أفضل للتسويق يزيد من حجم الأزمة التي يتحملها الجميع.
ويتفق معه التاجر منير العتمة في أن المشكلة لا تبدأ داخل سوق الهال، وإنما قبله ، موضحاً أن جميع المنتجين يطرحون محاصيلهم في الوقت نفسه بينما لا توجد برامج لتنظيم مواعيد الزراعة أو تسويق الإنتاج بين المناطق.
ويضيف، أن افتتاح معامل لإنتاج دبس البندورة والكاتشب واستيعاب الفائض سيمنح السوق مرونة أكبر وسيخفف من الانهيار السنوي للأسعار بما يحقق مصلحة المنتج والتاجر والمستهلك في الوقت نفسه.
خلل بانتظار التصحيح
وبين الحقل وسوق الهال تكشف رحلة البندورة الحورانية عن خلل واضح في منظومة التسويق الزراعي. فالفلاح يتحمل تكاليف الإنتاج كاملة، والتاجر يعمل في سوق متقلبة بينما يدفع المستهلك سعراً لا يعكس ما يحصل عليه المنتج. وتبقى المفارقة الأكبر أن ثمرة اشتهرت في مختلف المحافظات السورية باسم (البندورة الحورانية) لجودتها ونكهتها المميزة لا تزال عاجزة عن منح مزارعها العائد الذي يستحقه.
ورغم كل ما تواجهه هذه الزراعة من تحديات فإن البندورة الحورانية ما تزال تمثل إحدى أهم الثروات الزراعية في الجنوب السوري، ليس فقط لما تتمتع به من جودة استثنائية وإنما لأنها تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر. ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول الخطط الرامية إلى دعم مستلزمات الإنتاج وتشجيع الصناعات التحويلية وافتتاح معامل لإنتاج دبس البندورة والكاتشب.
وتنظيم عمليات التسويق والتصدير إلى خطوات عملية تعيد التوازن لهذا القطاع حتى لا تبقى الثمرة التي صنعت اسم حوران الزراعي تدفع وحدها ثمن غياب منظومة تسويقية عادلة بل تصبح نموذجاً لنجاح الزراعة السورية كما كانت دائماً.


