سوريا - اقتصاد
الاقتصاد السوري ينمو 11.3%.. اختبار تحويل التعافي إلى دخل وفرص عمل
11.3% نموًا في 2026.. ماذا يعني تعافي الاقتصاد السوري للمواطن؟
م
مجد محمد
نشر في: ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بعد سنوات من الانكماش وتراجع النشاط الاقتصادي، يدخل الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من التعافي، مع توقعات وزارة المالية بنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 11.3% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 4% في 2025، على أن يستمر النمو بنحو 9.7% في 2027.
وتتقاطع هذه التقديرات مع قراءة صندوق النقد الدولي، الذي توقع نمو الاقتصاد السوري بمعدل من خانتين خلال 2026، واستمرار النمو القوي في 2027، مدفوعًا بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز وإمدادات الكهرباء والتجارة والخدمات، إلى جانب عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي.
ولا تعكس هذه المؤشرات تحسنًا في قطاع واحد، بقدر ما تشير إلى اتساع قاعدة النشاط الاقتصادي. لكن الرقم الكبير يفتح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل نمو الناتج إلى إنتاج أكبر، واستثمارات وفرص عمل، ودخل حقيقي، وتحسن مستدام في القوة الشرائية؟
نمو واسع وقطاعات تستعيد نشاطها
تقدر وزارة المالية أن يشمل النمو خلال 2026 معظم القطاعات، وفي مقدمتها الخدمات والتجارة والزراعة، التي استفادت من تحسن موسم الأمطار، إلى جانب عودة النشاط في النفط والغاز والثروات المعدنية.
وتعتبر الوزارة أن هذه القطاعات كانت من الأسرع استفادة من التعافي والإصلاحات الهادفة إلى فتح الاقتصاد أمام التجارة والاستثمار، فيما يتوقع أن تلعب قطاعات أخرى دورًا أكبر في دفع النمو اعتبارًا من 2027.
ولا يقتصر الأثر المتوقع على الناتج المحلي، إذ تتوقع وزارة المالية اقتراب إيرادات الموازنة من 8 مليارات دولار خلال 2026، مع توجيه الإيرادات الاستثنائية إلى مشاريع استثمارية في المناطق المتضررة، ودعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة، بالتوازي مع إصلاحات ضريبية تستهدف تنشيط القطاع الخاص وتشجيع إعادة تشغيل المنشآت وخلق فرص العمل.
كما تستهدف الحكومة، وفق وزارة المالية، عودة الإنتاج في العديد من القطاعات إلى مستويات ما قبل عام 2011 بحلول 2030، بما يضع النمو الحالي ضمن مسار أوسع لإعادة بناء الاقتصاد، وليس مجرد تحسن ظرفي في الناتج.
صندوق النقد: التعافي يتسارع
يقدم صندوق النقد الدولي قراءة متقاربة للمشهد. ففي تقييم صدر عقب زيارة بعثته إلى دمشق بين 19 و23 تموز 2026، أكد أن التعافي الاقتصادي السوري يتسارع، متوقعًا نموًا من خانتين خلال العام الحالي واستمرار نمو قوي في 2027.
وأرجع الصندوق ذلك إلى تعافي الزراعة مع تحسن الأمطار، وتوسع إنتاج المحروقات وإمدادات الكهرباء، ونمو التجارة والخدمات، فضلًا عن استمرار عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النمو ما يزال متفاوتًا بين المناطق وأن الفقر، رغم تراجعه إلى حد ما، لا يزال واسع الانتشار.
وكان الصندوق قد أشار، عقب زيارة سابقة إلى دمشق في شباط، إلى تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وزيادة إمدادات الكهرباء وهطول الأمطار، واستمرار عودة اللاجئين، وإعادة اندماج سوريا تدريجيًا في الاقتصادين الإقليمي والعالمي، إلى جانب مشاريع استثمارية جديدة، باعتبارها عوامل تدعم آفاق النمو في 2026 وما بعده.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن تقدير الصندوق للنمو يتقاطع مع تقديرات الوزارة البالغة 11.3% في 2026، و9.7% في 2027.
وبذلك، تلتقي القراءتان عند اتجاه أساسي: الاقتصاد يستعيد نشاطه بوتيرة متسارعة، لكن الاختبار التالي يكمن في استدامة هذا المسار وتوسيع أثره الاقتصادي والاجتماعي.
لماذا لا يظهر النمو فورًا في معيشة المواطن؟
ارتفاع الناتج المحلي يعني أن الاقتصاد ينتج قيمة ودخلًا أكبر، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال الأثر بالسرعة أو الدرجة نفسيهما إلى جميع الأسر والمناطق والقطاعات.
وصندوق النقد نفسه لفت إلى هذه الفجوة، مشيرًا إلى تفاوت النمو بين المناطق واستمرار انتشار الفقر، بالتزامن مع عودة الضغوط التضخمية خلال 2026 نتيجة ارتفاع أسعار بعض المستوردات، ولا سيما الوقود والغذاء، وقوة الطلب المحلي وارتفاع تكاليف بعض الخدمات والسكن.
كما أشار إلى أن زيادات أجور القطاع العام، رغم مساهمتها في تحسين مستويات المعيشة انطلاقًا من مستويات منخفضة، كانت من العوامل التي رفعت الطلب المحلي.
وهنا تظهر طبيعة المرحلة: استعادة النشاط الاقتصادي تمثل خطوة أولى، لكن انتقالها إلى مستوى المعيشة يحتاج إلى توسع الإنتاج والاستثمار، وزيادة فرص العمل والدخول الحقيقية، وقدرة العرض المحلي على مواكبة الطلب.
نوعية النمو أهم من رقـمه
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن الاقتصاد السوري يواجه مفارقة هيكلية؛ فمن جهة تشير تقديرات وزارة المالية إلى نمو يبلغ 11.3% خلال 2026، في اقتصاد يقدر حجمه بنحو 50 إلى 60 مليار دولار، ومن جهة أخرى ما تزال الحياة المعيشية تواجه التضخم وارتفاع التكاليف.
ويعتبر عياش أن معدل النمو الحالي يعكس نموذجًا للتعافي الأولي بعد أزمات عميقة وتحولات نقدية ومؤسسية، لكن قراءة الرقم لا ينبغي أن تتوقف عند حجمه، وإنما عند نوعية النمو وقدرته على الانتقال من الناتج الكلي إلى الدخول الحقيقية.
وبحسب عياش، يصبح ارتفاع الناتج أكثر تأثيرًا في مستوى المعيشة عندما يترافق مع تحسن الإنتاجية وزيادة فعلية في المعروض المحلي من السلع.
فزيادة الطلب والدخل من دون توسع مقابل في الإنتاج المحلي قد تولد ضغوطًا تضخمية، بينما يسهم ارتفاع الإنتاج في تلبية الطلب الداخلي وخفض الحاجة إلى الاستيراد وتخفيف الضغط على القطع الأجنبي ودعم استقرار سعر الصرف.
ويشير عياش إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل يمثل حاليًا أحد مصادر التضخم المدفوع بالتكاليف، إذ تنتقل زيادة كلفة الوقود والكهرباء إلى الري والحصاد وتشغيل المنشآت الصناعية والشحن والخدمات اللوجستية، قبل أن تظهر في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
ومن هنا، يرى أن توجيه النمو نحو قطاعات إنتاجية مترابطة، مثل الزراعة والصناعات الزراعية والتصديرية والخدمات اللوجستية، يمكن أن يوسع أثر التعافي. فالزراعة تعزز الأمن الغذائي وتوفر فرص العمل في الريف، فيما تستطيع الصناعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والدوائية رفع القيمة المضافة وخلق وظائف أكثر استدامة.
من نمو الناتج إلى فرص العمل
ولا تتعلق المسألة، وفق عياش، بحجم النمو وحده، وإنما أيضًا بكيفية توزعه جغرافيًا وقطاعيًا.
فالعدالة المكانية للاستثمار، بحسب رؤيته، ضرورية لمنع تركز التعافي في المدن الكبرى، مع أهمية دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمشروعات المتناهية الصغر ورواد الأعمال، ولا سيما في المناطق الريفية والأكثر تضررًا، وإتاحة التمويل لها عبر إصلاحات مصرفية وضريبية.
ويقدر عياش أن ظهور أثر تراكمي واضح على مستوى المعيشة والقوة الشرائية قد يتطلب متوسط نمو يتراوح بين 7 و8% سنويًا لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات متتالية.
كما يرى أن معدل النمو ينبغي أن يتجاوز بأكثر من ضعفي معدل النمو السكاني حتى يستمر تحسن الناتج الحقيقي للفرد.
وفي السنوات الأولى من التعافي، يذهب جزء من الموارد إلى إعادة بناء الأصول المدمرة وسد العجز المتراكم وتأهيل البنية التحتية والخدمات، قبل أن تتحول هذه الاستثمارات تدريجيًا إلى وظائف دائمة ودخول أعلى.
الأجور.. القوة الشرائية هي المعيار
يمثل ملف الأجور أحد أكثر المؤشرات ارتباطًا بانتقال التعافي إلى حياة المواطن.
وخلال 2026 شهدت الرواتب زيادات متتالية، كان أبرزها المرسوم رقم 67 الذي أضاف 50% إلى أجور العاملين في القطاع العام، بعد زيادات بلغت نحو 200% خلال 2025.
لكن الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ المصارف والتمويل في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، يرى في تصريح خاص لـ«العين السورية» أن قياس أثر هذه الزيادات لا ينبغي أن يتوقف عند نسبتها الاسمية، بل عند مقدار التحسن الفعلي في القوة الشرائية بعد احتساب التضخم.
ويشير محمد، استنادًا إلى البيانات التي يعتمد عليها، إلى بلوغ التضخم السنوي 24.7% في شباط 2026، فيما ارتفعت تكاليف السكن 34.7% والغذاء 25.9%.
وبحسب أرقامه، ارتفع الحد الأدنى للأجور من نحو 750 ألف ليرة في 2025 إلى 1.256 مليون ليرة في 2026، بزيادة اسمية تقارب 67%، لكن الأثر الحقيقي لهذه الزيادة يتحدد بمقارنتها بتطور الأسعار وتكاليف الاحتياجات الأساسية.
ويقدر أن خط الفقر المدقع للأسرة يتجاوز 3.2 ملايين ليرة، فيما لا يغطي الحد الأدنى للأجور 40% من احتياجات الأسرة الأساسية.
ولهذا يقترح قياس القوة الشرائية استنادًا إلى سلة استهلاك فعلية تشمل الغذاء والإيجار والكهرباء والمياه والنقل والصحة والتعليم.
ووفق البيانات التي يستند إليها، بلغت سلة الحد الأدنى للبقاء لأسرة من ستة أفراد في شباط 2026 نحو 1.973 مليون ليرة، مقابل نحو 2.2 مليون ليرة لسلة الحد الأدنى للإنفاق.
ويرى أن ربط الأجور بمؤشر موثوق لتكاليف المعيشة قد يجعل تعديل الرواتب أكثر انتظامًا وشفافية، لكنه يتطلب أولًا تطوير مؤشر أسعار قادر على رصد الفروق بين المناطق وأنماط الاستهلاك.
التعافي لا يصل إلى الجميع بالوتيرة نفسها
يظهر التفاوت كذلك بين القطاعات والمناطق. فبحسب تقديرات الدكتور عبد الرحمن محمد، يحصل العاملون في الزراعة، الذين يشكلون نحو 15 إلى 20% من قوة العمل، على أجر يومي يقارب 5.5 دولارات، مقابل نحو 15 دولارًا في قطاع البناء.
وتوجد أيضًا فروق داخل القطاع العام نتيجة اختلاف الزيادات بين الفئات، فيما يبقى العاملون في القطاع غير المنظم أكثر عرضة لعدم الاستفادة الكاملة من الزيادات الرسمية.
وتختلف تكاليف المعيشة جغرافيًا أيضًا، إذ يقدر محمد سلة الحد الأدنى للإنفاق في السويداء بنحو 3.06 ملايين ليرة، مقابل 2.42 مليون ليرة في دير الزور، بفارق يقارب 26%.
ويرى أن استدامة تحسن الدخول تتطلب الانتقال من التعويض عن ارتفاع الأسعار إلى زيادة الإنتاجية، عبر رفع إنتاجية الزراعة والصناعة والخدمات، واستقرار سعر الصرف، والإصلاح المالي، وتطوير آلية موثوقة لقياس تكاليف المعيشة.
المازوت.. دعم أكثر استهدافًا
في قطاع الطاقة، يبرز تعدد أسعار المازوت بوصفه إحدى أدوات إدارة كلفة التعافي.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن اعتماد شرائح سعرية مختلفة يمكن أن يكون أكثر كفاءة من الدعم الشامل، لأنه يتيح توجيه الدعم إلى الأسر والقطاعات الأكثر احتياجًا بدل تقديمه بالمستوى نفسه لجميع المستخدمين.
ويوضح أن تعدد الأسعار جاء في سياق التعامل مع رفع أسعار المشتقات النفطية، ومنها زيادة سعر المازوت بنسبة 40%، مع توجيه الشرائح الأقل كلفة إلى الاستخدامات المنزلية، ولا سيما التدفئة، وإلى القطاع الزراعي، مقابل شرائح أعلى لبعض الاستخدامات الإنتاجية الأخرى.
ويرى أن استمرار الدعم مع تحسين استهدافه يمكن أن يخفف أثر ارتفاع التكاليف على الأسر والقطاعات الأكثر حساسية، وخصوصًا الزراعة.
لكن نجاح النظام، بحسب محمد، يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة وربط التوزيع بالهوية للحد من تسرب المادة المدعومة إلى السوق السوداء.
ويشير إلى تخصيص نحو 35 ألف برميل للشريحة الأولى، مع ضرورة التأكد من كفاية الكميات المخصصة للتدفئة والزراعة وتحديد المستفيدين بدقة، ولا سيما المعدات التي تحتاج إلى مواصفات مختلفة من الوقود.
كما يعتبر أن اختلاف الجودة بين الشرائح قد يساعد في تنظيم الطلب، لأن المستخدم لن يتجه بالضرورة إلى المادة الأقل سعرًا إذا لم تكن مناسبة لمركبته أو معداته.
ومع ذلك، تبقى استدامة بعض الشرائح مرتبطة بمصادر التوريد والكميات المتاحة، ما يجعل دقة الاستهداف والرقابة عنصرين أساسيين في نجاح التجربة.
المالية العامة.. من الإيرادات إلى الاستثمار
إلى جانب عودة النشاط الاقتصادي، يبرز تحسن المالية العامة بوصفه أحد عناصر مرحلة التعافي.
وأشار صندوق النقد إلى أهمية مواصلة تعزيز إدارة المالية العامة وتعبئة الإيرادات من خلال الإصلاح الضريبي وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، بما يتيح مساحة أكبر للإنفاق التنموي وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.
ويتقاطع ذلك مع توجهات وزارة المالية لإصلاح النظام الضريبي وتحسين الامتثال وتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص وتوجيه الإيرادات الاستثنائية نحو مشاريع استثمارية.
ولا يقتصر التعاون بين الوزارة وصندوق النقد على تقييم المؤشرات، إذ يشمل تطوير أدوات إدارة المالية العامة والتخطيط وإعداد الموازنة وتعبئة الإيرادات وإدارة الدين وتحسين الإحصاءات الاقتصادية. وكان الصندوق قد أعلن في شباط الاتفاق مع السلطات السورية على برنامج واسع للمساعدة الفنية في هذه المجالات.
التعافي بدأ.. واختبار الاستدامة مستمر
لا تختصر الصورة الاقتصادية السورية في سؤال ما إذا كان المواطن يشعر حاليًا بنسبة النمو المعلنة.
فالمؤشرات الحكومية وتقييمات صندوق النقد تظهر تسارعًا في النشاط الاقتصادي مدفوعًا بتحسن قطاعات متعددة، من الزراعة والطاقة إلى التجارة والخدمات، بالتزامن مع عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار وزيادة الإنفاق الحكومي. وفي المقابل، لا تزال تحديات الفقر والتضخم والتفاوت الجغرافي قائمة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق بالحفاظ على معدل نمو مرتفع فحسب، وإنما بنوعية هذا النمو وقدرته على توسيع قاعدة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وخلق وظائف منتجة، ورفع الدخول الحقيقية.
وزارة المالية تضع هدفًا لإعادة الإنتاج في قطاعات عديدة إلى مستويات ما قبل 2011 بحلول 2030، فيما يشدد صندوق النقد على استمرار الإصلاحات المالية والنقدية وإعادة تأهيل القطاع المصرفي وتحسين البيانات الاقتصادية وبيئة الاستثمار.
وعليه، فإن نسبة 11.3% لا تمثل نهاية قصة التعافي الاقتصادي السوري، بقدر ما تفتح مرحلة أكثر صعوبة: تحويل النمو من ارتفاع في الناتج إلى مسار تراكمي ومستدام.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الاقتصاد على الحفاظ على الزخم، وتوسيع الإنتاج، وتحويل الاستثمارات والإيرادات إلى وظائف وخدمات وبنية تحتية وحماية اجتماعية ودخول حقيقية أعلى.
وعندها ينتقل النمو من رقم في الحسابات القومية إلى أثر يلمسه المواطن في دخله وفرص عمله وقدرته الشرائية.
وتتقاطع هذه التقديرات مع قراءة صندوق النقد الدولي، الذي توقع نمو الاقتصاد السوري بمعدل من خانتين خلال 2026، واستمرار النمو القوي في 2027، مدفوعًا بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز وإمدادات الكهرباء والتجارة والخدمات، إلى جانب عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي.
ولا تعكس هذه المؤشرات تحسنًا في قطاع واحد، بقدر ما تشير إلى اتساع قاعدة النشاط الاقتصادي. لكن الرقم الكبير يفتح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل نمو الناتج إلى إنتاج أكبر، واستثمارات وفرص عمل، ودخل حقيقي، وتحسن مستدام في القوة الشرائية؟
نمو واسع وقطاعات تستعيد نشاطها
تقدر وزارة المالية أن يشمل النمو خلال 2026 معظم القطاعات، وفي مقدمتها الخدمات والتجارة والزراعة، التي استفادت من تحسن موسم الأمطار، إلى جانب عودة النشاط في النفط والغاز والثروات المعدنية.
وتعتبر الوزارة أن هذه القطاعات كانت من الأسرع استفادة من التعافي والإصلاحات الهادفة إلى فتح الاقتصاد أمام التجارة والاستثمار، فيما يتوقع أن تلعب قطاعات أخرى دورًا أكبر في دفع النمو اعتبارًا من 2027.
ولا يقتصر الأثر المتوقع على الناتج المحلي، إذ تتوقع وزارة المالية اقتراب إيرادات الموازنة من 8 مليارات دولار خلال 2026، مع توجيه الإيرادات الاستثنائية إلى مشاريع استثمارية في المناطق المتضررة، ودعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة، بالتوازي مع إصلاحات ضريبية تستهدف تنشيط القطاع الخاص وتشجيع إعادة تشغيل المنشآت وخلق فرص العمل.
كما تستهدف الحكومة، وفق وزارة المالية، عودة الإنتاج في العديد من القطاعات إلى مستويات ما قبل عام 2011 بحلول 2030، بما يضع النمو الحالي ضمن مسار أوسع لإعادة بناء الاقتصاد، وليس مجرد تحسن ظرفي في الناتج.
صندوق النقد: التعافي يتسارع
يقدم صندوق النقد الدولي قراءة متقاربة للمشهد. ففي تقييم صدر عقب زيارة بعثته إلى دمشق بين 19 و23 تموز 2026، أكد أن التعافي الاقتصادي السوري يتسارع، متوقعًا نموًا من خانتين خلال العام الحالي واستمرار نمو قوي في 2027.
وأرجع الصندوق ذلك إلى تعافي الزراعة مع تحسن الأمطار، وتوسع إنتاج المحروقات وإمدادات الكهرباء، ونمو التجارة والخدمات، فضلًا عن استمرار عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النمو ما يزال متفاوتًا بين المناطق وأن الفقر، رغم تراجعه إلى حد ما، لا يزال واسع الانتشار.
وكان الصندوق قد أشار، عقب زيارة سابقة إلى دمشق في شباط، إلى تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وزيادة إمدادات الكهرباء وهطول الأمطار، واستمرار عودة اللاجئين، وإعادة اندماج سوريا تدريجيًا في الاقتصادين الإقليمي والعالمي، إلى جانب مشاريع استثمارية جديدة، باعتبارها عوامل تدعم آفاق النمو في 2026 وما بعده.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن تقدير الصندوق للنمو يتقاطع مع تقديرات الوزارة البالغة 11.3% في 2026، و9.7% في 2027.
وبذلك، تلتقي القراءتان عند اتجاه أساسي: الاقتصاد يستعيد نشاطه بوتيرة متسارعة، لكن الاختبار التالي يكمن في استدامة هذا المسار وتوسيع أثره الاقتصادي والاجتماعي.
لماذا لا يظهر النمو فورًا في معيشة المواطن؟
ارتفاع الناتج المحلي يعني أن الاقتصاد ينتج قيمة ودخلًا أكبر، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال الأثر بالسرعة أو الدرجة نفسيهما إلى جميع الأسر والمناطق والقطاعات.
وصندوق النقد نفسه لفت إلى هذه الفجوة، مشيرًا إلى تفاوت النمو بين المناطق واستمرار انتشار الفقر، بالتزامن مع عودة الضغوط التضخمية خلال 2026 نتيجة ارتفاع أسعار بعض المستوردات، ولا سيما الوقود والغذاء، وقوة الطلب المحلي وارتفاع تكاليف بعض الخدمات والسكن.
كما أشار إلى أن زيادات أجور القطاع العام، رغم مساهمتها في تحسين مستويات المعيشة انطلاقًا من مستويات منخفضة، كانت من العوامل التي رفعت الطلب المحلي.
وهنا تظهر طبيعة المرحلة: استعادة النشاط الاقتصادي تمثل خطوة أولى، لكن انتقالها إلى مستوى المعيشة يحتاج إلى توسع الإنتاج والاستثمار، وزيادة فرص العمل والدخول الحقيقية، وقدرة العرض المحلي على مواكبة الطلب.
نوعية النمو أهم من رقـمه
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن الاقتصاد السوري يواجه مفارقة هيكلية؛ فمن جهة تشير تقديرات وزارة المالية إلى نمو يبلغ 11.3% خلال 2026، في اقتصاد يقدر حجمه بنحو 50 إلى 60 مليار دولار، ومن جهة أخرى ما تزال الحياة المعيشية تواجه التضخم وارتفاع التكاليف.
ويعتبر عياش أن معدل النمو الحالي يعكس نموذجًا للتعافي الأولي بعد أزمات عميقة وتحولات نقدية ومؤسسية، لكن قراءة الرقم لا ينبغي أن تتوقف عند حجمه، وإنما عند نوعية النمو وقدرته على الانتقال من الناتج الكلي إلى الدخول الحقيقية.
وبحسب عياش، يصبح ارتفاع الناتج أكثر تأثيرًا في مستوى المعيشة عندما يترافق مع تحسن الإنتاجية وزيادة فعلية في المعروض المحلي من السلع.
فزيادة الطلب والدخل من دون توسع مقابل في الإنتاج المحلي قد تولد ضغوطًا تضخمية، بينما يسهم ارتفاع الإنتاج في تلبية الطلب الداخلي وخفض الحاجة إلى الاستيراد وتخفيف الضغط على القطع الأجنبي ودعم استقرار سعر الصرف.
ويشير عياش إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل يمثل حاليًا أحد مصادر التضخم المدفوع بالتكاليف، إذ تنتقل زيادة كلفة الوقود والكهرباء إلى الري والحصاد وتشغيل المنشآت الصناعية والشحن والخدمات اللوجستية، قبل أن تظهر في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
ومن هنا، يرى أن توجيه النمو نحو قطاعات إنتاجية مترابطة، مثل الزراعة والصناعات الزراعية والتصديرية والخدمات اللوجستية، يمكن أن يوسع أثر التعافي. فالزراعة تعزز الأمن الغذائي وتوفر فرص العمل في الريف، فيما تستطيع الصناعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والدوائية رفع القيمة المضافة وخلق وظائف أكثر استدامة.
من نمو الناتج إلى فرص العمل
ولا تتعلق المسألة، وفق عياش، بحجم النمو وحده، وإنما أيضًا بكيفية توزعه جغرافيًا وقطاعيًا.
فالعدالة المكانية للاستثمار، بحسب رؤيته، ضرورية لمنع تركز التعافي في المدن الكبرى، مع أهمية دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمشروعات المتناهية الصغر ورواد الأعمال، ولا سيما في المناطق الريفية والأكثر تضررًا، وإتاحة التمويل لها عبر إصلاحات مصرفية وضريبية.
ويقدر عياش أن ظهور أثر تراكمي واضح على مستوى المعيشة والقوة الشرائية قد يتطلب متوسط نمو يتراوح بين 7 و8% سنويًا لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات متتالية.
كما يرى أن معدل النمو ينبغي أن يتجاوز بأكثر من ضعفي معدل النمو السكاني حتى يستمر تحسن الناتج الحقيقي للفرد.
وفي السنوات الأولى من التعافي، يذهب جزء من الموارد إلى إعادة بناء الأصول المدمرة وسد العجز المتراكم وتأهيل البنية التحتية والخدمات، قبل أن تتحول هذه الاستثمارات تدريجيًا إلى وظائف دائمة ودخول أعلى.
الأجور.. القوة الشرائية هي المعيار
يمثل ملف الأجور أحد أكثر المؤشرات ارتباطًا بانتقال التعافي إلى حياة المواطن.
وخلال 2026 شهدت الرواتب زيادات متتالية، كان أبرزها المرسوم رقم 67 الذي أضاف 50% إلى أجور العاملين في القطاع العام، بعد زيادات بلغت نحو 200% خلال 2025.
لكن الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ المصارف والتمويل في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، يرى في تصريح خاص لـ«العين السورية» أن قياس أثر هذه الزيادات لا ينبغي أن يتوقف عند نسبتها الاسمية، بل عند مقدار التحسن الفعلي في القوة الشرائية بعد احتساب التضخم.
ويشير محمد، استنادًا إلى البيانات التي يعتمد عليها، إلى بلوغ التضخم السنوي 24.7% في شباط 2026، فيما ارتفعت تكاليف السكن 34.7% والغذاء 25.9%.
وبحسب أرقامه، ارتفع الحد الأدنى للأجور من نحو 750 ألف ليرة في 2025 إلى 1.256 مليون ليرة في 2026، بزيادة اسمية تقارب 67%، لكن الأثر الحقيقي لهذه الزيادة يتحدد بمقارنتها بتطور الأسعار وتكاليف الاحتياجات الأساسية.
ويقدر أن خط الفقر المدقع للأسرة يتجاوز 3.2 ملايين ليرة، فيما لا يغطي الحد الأدنى للأجور 40% من احتياجات الأسرة الأساسية.
ولهذا يقترح قياس القوة الشرائية استنادًا إلى سلة استهلاك فعلية تشمل الغذاء والإيجار والكهرباء والمياه والنقل والصحة والتعليم.
ووفق البيانات التي يستند إليها، بلغت سلة الحد الأدنى للبقاء لأسرة من ستة أفراد في شباط 2026 نحو 1.973 مليون ليرة، مقابل نحو 2.2 مليون ليرة لسلة الحد الأدنى للإنفاق.
ويرى أن ربط الأجور بمؤشر موثوق لتكاليف المعيشة قد يجعل تعديل الرواتب أكثر انتظامًا وشفافية، لكنه يتطلب أولًا تطوير مؤشر أسعار قادر على رصد الفروق بين المناطق وأنماط الاستهلاك.
التعافي لا يصل إلى الجميع بالوتيرة نفسها
يظهر التفاوت كذلك بين القطاعات والمناطق. فبحسب تقديرات الدكتور عبد الرحمن محمد، يحصل العاملون في الزراعة، الذين يشكلون نحو 15 إلى 20% من قوة العمل، على أجر يومي يقارب 5.5 دولارات، مقابل نحو 15 دولارًا في قطاع البناء.
وتوجد أيضًا فروق داخل القطاع العام نتيجة اختلاف الزيادات بين الفئات، فيما يبقى العاملون في القطاع غير المنظم أكثر عرضة لعدم الاستفادة الكاملة من الزيادات الرسمية.
وتختلف تكاليف المعيشة جغرافيًا أيضًا، إذ يقدر محمد سلة الحد الأدنى للإنفاق في السويداء بنحو 3.06 ملايين ليرة، مقابل 2.42 مليون ليرة في دير الزور، بفارق يقارب 26%.
ويرى أن استدامة تحسن الدخول تتطلب الانتقال من التعويض عن ارتفاع الأسعار إلى زيادة الإنتاجية، عبر رفع إنتاجية الزراعة والصناعة والخدمات، واستقرار سعر الصرف، والإصلاح المالي، وتطوير آلية موثوقة لقياس تكاليف المعيشة.
المازوت.. دعم أكثر استهدافًا
في قطاع الطاقة، يبرز تعدد أسعار المازوت بوصفه إحدى أدوات إدارة كلفة التعافي.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن اعتماد شرائح سعرية مختلفة يمكن أن يكون أكثر كفاءة من الدعم الشامل، لأنه يتيح توجيه الدعم إلى الأسر والقطاعات الأكثر احتياجًا بدل تقديمه بالمستوى نفسه لجميع المستخدمين.
ويوضح أن تعدد الأسعار جاء في سياق التعامل مع رفع أسعار المشتقات النفطية، ومنها زيادة سعر المازوت بنسبة 40%، مع توجيه الشرائح الأقل كلفة إلى الاستخدامات المنزلية، ولا سيما التدفئة، وإلى القطاع الزراعي، مقابل شرائح أعلى لبعض الاستخدامات الإنتاجية الأخرى.
ويرى أن استمرار الدعم مع تحسين استهدافه يمكن أن يخفف أثر ارتفاع التكاليف على الأسر والقطاعات الأكثر حساسية، وخصوصًا الزراعة.
لكن نجاح النظام، بحسب محمد، يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة وربط التوزيع بالهوية للحد من تسرب المادة المدعومة إلى السوق السوداء.
ويشير إلى تخصيص نحو 35 ألف برميل للشريحة الأولى، مع ضرورة التأكد من كفاية الكميات المخصصة للتدفئة والزراعة وتحديد المستفيدين بدقة، ولا سيما المعدات التي تحتاج إلى مواصفات مختلفة من الوقود.
كما يعتبر أن اختلاف الجودة بين الشرائح قد يساعد في تنظيم الطلب، لأن المستخدم لن يتجه بالضرورة إلى المادة الأقل سعرًا إذا لم تكن مناسبة لمركبته أو معداته.
ومع ذلك، تبقى استدامة بعض الشرائح مرتبطة بمصادر التوريد والكميات المتاحة، ما يجعل دقة الاستهداف والرقابة عنصرين أساسيين في نجاح التجربة.
المالية العامة.. من الإيرادات إلى الاستثمار
إلى جانب عودة النشاط الاقتصادي، يبرز تحسن المالية العامة بوصفه أحد عناصر مرحلة التعافي.
وأشار صندوق النقد إلى أهمية مواصلة تعزيز إدارة المالية العامة وتعبئة الإيرادات من خلال الإصلاح الضريبي وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، بما يتيح مساحة أكبر للإنفاق التنموي وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.
ويتقاطع ذلك مع توجهات وزارة المالية لإصلاح النظام الضريبي وتحسين الامتثال وتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص وتوجيه الإيرادات الاستثنائية نحو مشاريع استثمارية.
ولا يقتصر التعاون بين الوزارة وصندوق النقد على تقييم المؤشرات، إذ يشمل تطوير أدوات إدارة المالية العامة والتخطيط وإعداد الموازنة وتعبئة الإيرادات وإدارة الدين وتحسين الإحصاءات الاقتصادية. وكان الصندوق قد أعلن في شباط الاتفاق مع السلطات السورية على برنامج واسع للمساعدة الفنية في هذه المجالات.
التعافي بدأ.. واختبار الاستدامة مستمر
لا تختصر الصورة الاقتصادية السورية في سؤال ما إذا كان المواطن يشعر حاليًا بنسبة النمو المعلنة.
فالمؤشرات الحكومية وتقييمات صندوق النقد تظهر تسارعًا في النشاط الاقتصادي مدفوعًا بتحسن قطاعات متعددة، من الزراعة والطاقة إلى التجارة والخدمات، بالتزامن مع عودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار وزيادة الإنفاق الحكومي. وفي المقابل، لا تزال تحديات الفقر والتضخم والتفاوت الجغرافي قائمة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق بالحفاظ على معدل نمو مرتفع فحسب، وإنما بنوعية هذا النمو وقدرته على توسيع قاعدة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وخلق وظائف منتجة، ورفع الدخول الحقيقية.
وزارة المالية تضع هدفًا لإعادة الإنتاج في قطاعات عديدة إلى مستويات ما قبل 2011 بحلول 2030، فيما يشدد صندوق النقد على استمرار الإصلاحات المالية والنقدية وإعادة تأهيل القطاع المصرفي وتحسين البيانات الاقتصادية وبيئة الاستثمار.
وعليه، فإن نسبة 11.3% لا تمثل نهاية قصة التعافي الاقتصادي السوري، بقدر ما تفتح مرحلة أكثر صعوبة: تحويل النمو من ارتفاع في الناتج إلى مسار تراكمي ومستدام.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الاقتصاد على الحفاظ على الزخم، وتوسيع الإنتاج، وتحويل الاستثمارات والإيرادات إلى وظائف وخدمات وبنية تحتية وحماية اجتماعية ودخول حقيقية أعلى.
وعندها ينتقل النمو من رقم في الحسابات القومية إلى أثر يلمسه المواطن في دخله وفرص عمله وقدرته الشرائية.


