سوريا - اقتصاد
جدل فنّي جديد .. هل تفتح المصارف السورية أبوابها للصيرفة الإسلامية؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يشهد القطاع المصرفي السوري نقاشاً متزايداً حول إمكانية فتح نوافذ إسلامية داخل المصارف التقليدية الحكومية، في ظل الطلب المتصاعد على المنتجات المتوافقة مع الشريعة ورغبة الدولة في جذب المدخرات وتعزيز الثقة. ويطرح الخبراء تساؤلات جوهرية حول الإطار القانوني القائم، وآليات الفصل المالي، والنموذج الأنسب للمرحلة الراهنة. وفي شهر أيار الماضي، بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع مجلس إدارة المصرف الصناعي إمكانية إطلاق نافذة لخدمات ومنتجات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، في مؤشر واضح على الاهتمام الرسمي بهذا التوجه.
إطار تشريعي
يؤكد الخبراء أن المرسوم التشريعي رقم 35 لعام 2005 الخاص بإحداث المصارف الإسلامية لا يجيز للمصارف التقليدية، حكومية كانت أو خاصة، فتح نوافذ إسلامية داخلها. وينحصر النص في السماح بتأسيس مصارف إسلامية على شكل شركات مساهمة عامة مغفلة فقط.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير المصرفي عبد القادر الدويك لـ " العين السورية"، أن القانون الحالي يتيح للمصارف القائمة المساهمة في تأسيس مصرف إسلامي مستقل بنسبة لا تتجاوز 20% من أموالها الخاصة، داعياً المصارف الحكومية الكبرى إلى التعاون فيما بينها لإطلاق مصرف إسلامي كبير، برأس مال قوي قادر على بناء علاقات مراسلة متينة.
أما الخبير الاقتصادي حسن الحاري فيرى أن الضرورة أصبحت ملحة لاستحداث هذه النوافذ، ما يقتضي إصدار تشريعات مصرفية إسلامية تنظم آليات التمويل وتضمن التوافق الشرعي والتنظيمي.
الفصل الكامل بين الأموال
يتفق الخبراء على أن أي توجه نحو النوافذ أو الفروع يجب أن يضمن الفصل المطلق بين الأموال والعمليات التقليدية والإسلامية. ويشترط ذلك وجود هيئة شرعية مستقلة، وحسابات منفصلة تماماً، ونظام مصرفي أساسي خاص بالصيغ الإسلامية مثل المرابحة والمشاركة والاستصناع والسلم والإجارة، إلى جانب خطة مستقلة لإدارة السيولة.
ويشير الخبراء إلى معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) كمرجع أساسي في هذا المجال. ويرى الدويك أن الخيار الأفضل يبقى تأسيس مصرف إسلامي مستقل تماماً، بينما يؤكد الحاري في حديث مع " العين السورية"، أهمية أن يحتوي المصرف على قسمين منفصلين محاسبياً وتشغيلياً، لتلبية احتياجات شريحة من العملاء التي تفضل الفائدة التقليدية صراحة إلى جانب الراغبين في المنتجات الإسلامية.
النافذة أم الفرع؟
في المفاضلة بين النموذجين، يميل الخبراء إلى تفضيل الفروع الإسلامية المستقلة على النوافذ. فالفروع تحقق انفصالاً إدارياً ومكانياً ومالياً أوضح، وتقلل من شبهة اختلاط الأموال. وفي حال تعذر تأسيس مصرف مستقل، فإن فتح فروع إسلامية مستقلة مع تخصيص موارد مالية منفصلة يُعد خياراً أفضل من النوافذ التقليدية.
دروس نجاح وتعثر
عالمياً، بلغ حجم أصول الصيرفة الإسلامية نحو 3 تريليون دولار في 2025، وفقاً لتقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، وتشكل حوالي 70% من إجمالي أصول الصناعة المالية الإسلامية البالغة 4.4 تريليون دولار. وكثير من المصارف التجارية التقليدية حول العالم افتتحت نوافذ إسلامية داخلها، إذ يُعتبر هذا النموذج المزدوج أكثر سهولة ومرونة من إنشاء بنك إسلامي مستقل بالكامل. ووفقاً لتقرير مؤشر تطور التمويل الإسلامي الصادر عن مجموعة بورصة لندن لعام 2025، شكّلت النوافذ الإسلامية نحو 48% من إجمالي عدد المؤسسات المصرفية الإسلامية عالمياً في عام 2024، وساهمت بحوالي 14% من أصول الصيرفة الإسلامية، أي ما يقارب 620 مليار دولار.
وتُعد تجربة ماليزيا من أنجح التجارب، حيث بدأت عام 1993 بخطوة انتقالية عبر النوافذ، ثم ألزمت المصارف بالفصل الكامل للميزانيات قبل تحويلها إلى مصارف إسلامية تابعة ومستقلة. ونجحت النوافذ أيضاً في السعودية والإمارات بفضل الطلب القوي من المجتمع، بينما تعثرت في دول أخرى بسبب غياب إطار تنظيمي واضح وصعوبة التحقق من فصل الأموال.
النموذج الأنسب لسوريا
في ظل الحصة السوقية المحدودة للمصارف الإسلامية الخاصة التي تتراوح بين 12 و15%، يختلف الخبراء نسبياً في ترتيب الأولويات. ويرى الحاري أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من الودائع نحو المصارف الحكومية بفضل ثقة المواطنين بالدولة، معتبراً أن أفضل حل حالياً هو أن يحتوي المصرف على نافذة إسلامية وأخرى تقليدية منفصلتين. أما الدويك فيشدد على أولوية تطوير المصارف الإسلامية الخاصة القائمة عبر تعزيز رؤوس أموالها أو الدمج، إلى جانب تأسيس مصارف إسلامية جديدة مستقلة، مع تفضيل الفروع المستقلة إذا اقتصر الأمر على التوسع داخل المصارف التقليدية.
في المحصلة، يتفق الخبراء على أن التشريع الحالي لا يسمح بفتح نوافذ إسلامية، وأن أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى قانون جديد واضح يضمن الفصل الكامل للأموال. وبينما يرى بعضهم في النوافذ داخل المصارف الحكومية فرصة سريعة لجذب المدخرات، يفضل آخرون التركيز على بناء مصارف إسلامية قوية ومستقلة أو على الأقل فروع منفصلة تماماً. وتبقى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، والالتزام بمعايير AAOIFI، وتطوير الكوادر والأنظمة التقنية، شروطاً أساسية لنجاح أي نموذج في السياق السوري.


