سوريا - اقتصاد
هل تملك بيروت ودمشق مفاتيح اختراق حواجز الشراكة الفاعلة؟
ر
رهام علي
نشر في: ١٧ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

دخلت العلاقات الاقتصادية السورية اللبنانية مرحلة حاسمة تتطلب الانتقال من مربع "النوايا واللقاءات البروتوكولية" إلى فضاء التنفيذ الجوهري.
ولم يعد التقارب بين دمشق وبيروت مجرد خيار دبلوماسي، بل بات ضرورة جيوسياسية ملحة تفرضها التحديات النقدية والضغوط الدولية المشتركة. ومع انتهاء اللقاءات الرسمية الأخيرة، تبرز التساؤلات الحقيقية حول قدرة البلدين على صياغة معادلة اقتصادية متكافئة تتجاوز تعقيدات الحدود، وأزمات السيولة، وإرث الاقتصاد غير المنظم.
خارطة طريق لتخطي "سويفت"
خارطة طريق لتخطي "سويفت"
يقدم الخبير الاقتصادي اللبناني الدكتور جاسم عجاقة في حديثه مع "العين السورية" تشخيصاً دقيقاً لفرص الالتفاف على الضغوطات الدولية والاستفادة من الشراكة الثنائية؛ ويرى أنه "بعد تخطي قانون قيصر، ينبغي على البلدين استثمار هذا التقارب لتأسيس نظام مقاصة ثنائية (Clearing System) كآلية أساسية لتخطي مشكلة الدولار". ويشير عجاقة إلى أن هذا النظام يمكن أن يغطي السلع الأساسية والمواد الأولية والمنتجات الزراعية، مما يغني الطرفين عن الحاجة إلى نظام "سويفت" الدولي، ويخفف بشكل مباشر من الضغط المستمر على العملات الأجنبية في السوقين السورية واللبنانية.
شراكات صناعية بميزات نسبية
وعلى مستوى الإنتاج، يدعو عجاقة إلى إطلاق مشاريع صناعية مشتركة عبر بناء سلاسل إنتاج متكاملة، لا سيما في قطاع الطاقة. ويرتكز هذا الطرح وفقاً لـ عجاقة على المزايا النسبية لكل طرف؛ إذ تمتلك سوريا ميزة كبرى في وفرة اليد العاملة الخبيرة وغير المتوفرة في لبنان، بينما يمتلك لبنان في المقابل ميزات تفضيلية مثل الانفتاح على الأسواق الخارجية. كما يمتد هذا التعاون إلى قطاع الطاقة وبدء عمليات البحث والتنقيب عن الغاز والنفط في البحر، وهو ما يتطلب حلاً جذرياً للإشكالية المتعلقة بالحدود البحرية الشمالية بين البلدين.
هواجس التباين
وفي المقابل، لا يتغاضى خبير الاقتصاد عن التحديات الميدانية التي تواجه المُصدّر والمنتج اللبناني؛ وفي مقدمتها العوائق الجمركية والمالية ورسوم الترانزيت المرتفعة. وينوه إلى غياب التكافؤ في تطبيق معادلة تيسير التبادل التجاري العربي؛ إذ تتدفق العديد من المنتجات السورية إلى الأسواق اللبنانية وتحظى بأفضلية واضحة، بينما لا تتمتع المنتجات اللبنانية بالمثل في الأسواق السورية بسبب وجود قيود معينة مفروضة.
ويشير الخبير اللبناني إلى عقبة "إجازات الاستيراد" التي كانت تُعتمد في ظل شح العملة الصعبة وغياب مفهوم اقتصاد السوق الحر، إلى جانب البطء الشديد في إجراءات مطابقة المواصفات القياسية للبضائع، مما يتسبب في تلف بعض الشحنات الغذائية والزراعية؛ وهو ما يستدعي إيجاد آلية واضحة للاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة بين البلدين. كما يشدد على ضرورة معالجة الازدواجية الجمركية عبر التنسيق لإنشاء نقطة حدودية موحدة تفحص البضائع وتنهي معضلة تفريغ الشحنات مرتين على الحدود.
مجلس أبعد من مجرد بروتوكول
أما بخصوص مجلس الأعمال السوري اللبناني، فيرى عجاقة إمكانية الاستفادة من تجارب دولية ناجحة في هذا المضمار. ورغم أن المجلس لا يملك سلطة تنفيذية مباشرة تتيح له التدخل في معالجة تقلبات أسعار الصرف والتضخم والسوق السوداء في البلدين، إلا أنه مطالب وفقاً للخبير الاقتصادي بالتحول من مجرد منصة للعلاقات العامة إلى مؤسسة فاعلة تضمن الاستثمار والتجارة. ويقترح أن يعمل المجلس على ابتكار آليات لحماية الملكية، وتسهيل التسويات المالية عبر المقاصة الثنائية بعيداً عن الدولار، وتوفير أدوات للتحكيم التجاري السريع لتفادي متاهات المحاكم العادية، فضلاً عن دور ريادي في توجيه الاستثمارات نحو شركات مشتركة توفر غطاءً مالياً وضمانات وحماية سياسية للمستثمرين.
مأسسة القرار وتطهير القنوات التجارية
من زاوية أوسع ترتبط بالبنية الهيكلية والسياسية للاقتصاد المشترك، يرى الخبير الاقتصادي جلال بكار أن العلاقات السورية اللبنانية تسير اليوم في إطار تعزيز الثقة بين الطرفين. ويوضح بكار لـ "العين السورية" أن هذه العلاقات انتقلت، بعد جولات سياسية مكثفة، إلى المفهوم الاقتصادي كأداة رئيسية للحفاظ على المصالح السياسية المشتركة وتثبيتها. ويشير إلى وجود إرادة حقيقية اليوم في لبنان للخروج من منظور المجموعات التي تعمل خارج إطار الدولة والتحول نحو الدولة الرسمية ومؤسساتها، وهو المسار ذاته الذي شهدته سوريا بعد مرحلة التحرير واستعادة سيادة مؤسسات الدولة.
ويبين بكار أن "تفعيل هذا المسار يتطلب صياغة بروتوكولات اقتصادية واضحة لتثبيت العلاقات السياسية وتحصينها". منتقداً إرث التجارة غير واضحة المعالم التي كانت سائدة سابقاً بين البلدين؛ إذ يوضح بصراحة أن الفترات الماضية شهدت نشاطاً لتجارة الكبتاغون التي كانت تمر عبر الأراضي اللبنانية بتسهيل من النظام البائد. ومع نشوء إرادة وإدارة جديدة في لبنان حالياً، يؤكد بكار وجود نية حقيقية للعمل على بناء اقتصاد شرعي وحقيقي، على غرار ما تم إنجازه في سوريا. ويخلص إلى أن "غرف الصناعة والتجارة في كلا البلدين هي الجهات المؤهلة والأساسية لتحديد ورسم آليات الطريق الاقتصادي المشترك خلال المرحلة المقبلة".


