سوريا - رأي
في زمن البحث عن موارد.. هل تنجح سوريا في تحويل "التراب إلى نقود"؟
من زيت الزيتون إلى الصناعات البيتية، يفتح التصنيع الزراعي باباً لتعزيز موارد سوريا، وخبير يطرح عبر «العين السورية» حوافز وتمويلاً لتحويل المحاصيل إلى منتجات أعلى قيمة.
ن
ناظم عيد
نشر في: ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٠:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
إن كانت العودة إلى الدفاتر القديمة واجبة وضرورية في زمن الأزمات والإفلاس، فإن إعادة فتح «الدفاتر السورية» القديمة تُعدّ، على الأرجح، استكشافاً لمطارح معتمة حافلة بالدسم التنموي العالي، سقطت وسط ضجيج مهرجانات الانزلاق في غواية الاقتصاد الريعي، التي بدأت مع قرارات جرى التصفيق لها خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في سوريا عام 2005.
إعادة اكتشاف
العودة السورية الملحّة إلى الدفاتر المركونة على رفوف الاقتصاد المغبرّة لن تكون لتحصيل ديون مستحقة، بل لإنعاش أرزاق وقطاعات «مهزومة» في سباقات رسمية غير معلنة نحو مساحات الرفاهية الجوفاء.
لكن التدابير الشعبية السورية تكفلت، لسنوات طويلة، بضمان أدوات البقاء، بحكم التقليد والعادة.
فقد كانت صادمة توضيحات اتحاد المصدرين السوريين يوماً، عندما أُثير الجدل حول تقارير رشحت عن الاتحاد بشأن قيم هائلة للصادرات السلعية التي تدفقت من سوريا إلى أسواق 90 دولة، وتحفّظت وزارة الاقتصاد حينها على الأرقام.
وكان السؤال: أيّ سلع تُصدّرها سوريا إلى العالم في ظرف اقتصادي معقد حينها، عام 2020؟
أما الجواب المدهش فكان: «مخللات.. زيتون مائدة.. قمر الدين... مكدوس... خضار مجففة.. فواكه مجففة.. مربيات»، وسلسلة تطول من منتجات بيتية تندرج تاريخياً في تقاليد مؤونة الأسر في الريف السوري.
تجاهل مريب
الواقع أن الحادثة أماطت اللثام عن أخطاء تراكمية تمثلت في تجاهل ما يشبه «الكنز» السوري المهمل والمنسي، وهو التصنيع الزراعي، في زحام الشغف المريب بالدراسات والتخطيط لتحويل سوريا إلى مجمعات إقليمية للصناعات الهندسية، وموطن جديد لمنتجات اقتصاد المعرفة وتصديرها، وغير ذلك من طموحات وتصريحات «فانتازية» كان يطلقها مسؤولون تنفيذيون، ويصفها متابعون بأنها أضغاث أحلام.
بالفعل، ثمة ما يثير متوالية تساؤلات ملحّة حول أيّ لوثة استحكمت طويلاً بالعقل التنفيذي السوري، فأبعدت أعين القرار عن الميزات النسبية والمطلقة التي يتمتع بها اقتصاد بلد زراعي بامتياز، وكأنها وصمة يهرب منها الجميع.
فلا بأس أن تُصدّر سوريا الخضار والفواكه، وتتعثر الصادرات على المعابر الحدودية فتفسد وتتلف، وتنكسر المنظومة الزراعية مع تبدد جدواها الاقتصادية؛ لكن الطواقم المتوالية على المقصورة التنفيذية لم تؤسس منظومة تصنيع زراعي قادرة على تعظيم القيمة المضافة والحد من تصدير المواد الخام.
أي إن القرار الرسمي لم يكترث لتهمة «الصادرات الخام» التي غلّفت الاقتصاد السوري، وكانت تستوجب مساءلة الحكومة من قبل البرلمان عن الفشل في التأسيس لمنظومة تصنيع زراعي، والتسبب بخسائر جسيمة طالت الفلاحين السوريين.
شاهد على الفشل
بما أن السوريين يتحضّرون في هذه الأيام لجني محصول الزيتون، الموصوف بأنه استراتيجي في الأعراف الشعبية والرسمية، فقد يكون من المناسب التوقف قليلاً عند أحد أبرز الشواهد على الفرص الضائعة.
فسوريا التي عُرفت بإنتاج زيت الزيتون تواجه سؤالاً يتجاوز حجم المحصول إلى الشكل الذي تغادر به صادراتها: هل تخرج «دوغما»، أي سائبة وغير معبأة مباشرة للمستهلك، أم في عبوات تحمل علامة تجارية سورية وتحفظ للمنتج قيمة إضافية؟
ولتوضيح الصورة أكثر، نشير إلى مفارقة رصدناها عام 2020، إذ كانت إسبانيا البلد رقم واحد في استقبال صادرات زيت الزيتون السوري، وهي من أبرز الدول المنتجة والمصدّرة للمادة عالمياً. فلماذا تستورد الزيت السوري إذاً؟
يرتبط جانب من الإجابة بإعادة التعبئة والتصنيع والتصدير، لأن لديها اقتصاداً قائماً بذاته اسمه «اقتصاد زيت الزيتون».
آخر خط الهدر
الآن، وعلى إيقاع الأزمات الاقتصادية وأفول زمن الغذاء الرخيص، بات من الضروري التساؤل: كيف يمكن استدراك ذلك الخلل المزمن واستعادة الميزات الضائعة والقيم المفقودة، بل المهدورة؟
يوافقنا الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور "فاخر قربي" على أن تصدير المنتجات الخام السورية، سواء كانت زراعية أو غير زراعية، يمثل ضياع منفعة اقتصادية كبيرة وفرصاً مهدورة تُقدّر بمليارات الليرات السورية سنوياً.
فعندما تُصدَّر المادة الخام دون مرورها بعملية التصنيع، يخسر الاقتصاد الوطني «القيمة المضافة» التي تنشأ عن التصنيع، ويخسر معها فرص عمل محلية وعائدات ضريبية وقدرة أعلى على جذب القطع الأجنبي.
ضرورة لا خيار
يرى الدكتور "فاخر قربي"، في حديثه إلى «العين السورية»، أن تحويل هذه المنتجات إلى مواد مصنّعة أو نصف مصنّعة ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
ويظهر الفارق في القيمة المضافة، وفق طرحه، من خلال المنتجات الزراعية، مثل زيت الزيتون والكمون ومنتجات الكونسروة. فتصدير زيت الزيتون «دوغما» بالبراميل يحرم البلاد من قيمة تعبئته وتغليفه وتسويقه بعلامة تجارية سورية، وهي عمليات يرى أنها قد تضاعف سعره عدة مرات.
كذلك، فإن تصدير النباتات الطبية والعطرية، كالكمون واليانسون، في صورة حبوب خام يُفوّت فرصة استخلاص الزيوت العطرية والطبية التي تُباع بالغرام بأسعار مرتفعة عالمياً.
وما يسرده قربي مجرد أمثلة من سلاسل إنتاج معطلة، يمكن أن تكون أحد الحوامل الإنقاذية في بلد يعاني اتساع الفقر والبطالة.
استراتيجية إنقاذ
في الزمن الصعب، باتت إعادة بناء استراتيجية تصنيع وطنية مطلباً إنقاذياً بأبعاد اقتصادية وامتدادات اجتماعية.
ويؤكد قربي إمكانية اعتماد استراتيجية لتعزيز بنية التصنيع الزراعي، من خلال الانتقال من التصدير الخام إلى التصنيع، والعمل على محاور متكاملة تشمل الدعم الحكومي والسياسات التحفيزية والإعفاءات الضريبية والجمركية.
ويقترح منح إعفاءات ضريبية كاملة للمصانع الزراعية لعدة سنوات، خصوصاً في الريف وقرب مراكز الإنتاج، وإعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستوردة من الرسوم الجمركية.
ويشمل ذلك دعم تكاليف الإنتاج وحوامل الطاقة، بتأمين المازوت الصناعي والكهرباء المستمرة للمناطق الصناعية بأسعار مدعومة أو مستقرة؛ لأن انقطاع الطاقة يرفع التكاليف ويفسد المواد الغذائية المعدّة للتصنيع.
سياسات مرنة
يقترح قربي فرض رسوم تصدير عالية على المواد الخام لدفع المنتجين إلى بيعها للمصانع المحلية، وفي المقابل تقديم «دعم نقدي» لصادرات المواد المصنّعة.
ويضيف إلى ذلك التمويل المبتكر والتسهيلات الائتمانية والقروض الاستثمارية المدعومة الفائدة، كأن يُصار إلى تأسيس «صندوق دعم التصنيع الزراعي» عبر المصرف الزراعي التعاوني والمصارف العامة، لتقديم قروض طويلة الأجل لإنشاء المعامل بفوائد مخفضة.
التأجير التمويلي والإلزام المرن
وتبدو هنا فكرة التمويل المشترك والتأجير التمويلي إجراءً استراتيجياً؛ فتفعيل خيارات التأجير التمويلي للآلات والمعدات يتيح للمستثمر الصغير بدء مشروعه دون الحاجة إلى رأس مال ضخم لشراء خطوط الإنتاج.
ثم يأتي تنظيم الاستثمارات و«آلية الإلزام المرن»، وربط تراخيص التصدير بالتصنيع. إذ يمكن، وفق المقترح، تطبيق سياسة الحصص، بحيث لا يُسمح للمصدّر بتصدير كمية معينة من المادة الخام إلا إذا صنّع نسبة مئوية منها محلياً، أو استثمر في خط تعبئة متطور.
الزراعة التعاقدية
ويقترح الخبير اعتماد العقود الزراعية الملزمة، وإيجاد صيغ قانونية تحمي «الزراعة التعاقدية»، بحيث يلتزم المستثمر، أو المعمل، بشراء المحصول من الفلاحين بأسعار عادلة ومحددة مسبقاً، ما يضمن تدفق المادة الخام إلى المعمل واستقرار دخل الفلاح.
استثمارات حكومية
يرى قربي جدوى إقامة استثمارات حكومية مباشرة وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتأسيس مجمعات صناعية زراعية متكاملة، وتشييد البنى التحتية، من مستودعات تبريد ضخمة ومراكز فرز وتوضيب ومختبرات جودة، في المحافظات الزراعية، كاللاذقية وطرطوس وحماة والحسكة، وتأجيرها للمستثمرين بأسعار تشجيعية.
وهنا قد يكون لازماً تطوير معامل الكونسروة والزيوت والتجفيف التابعة للقطاع العام، وإدخال خطوط إنتاج حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، وفق صيغة التشاركية، لضمان كفاءة الإدارة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن الانتقال إلى «صُنع في سوريا» بدلاً من «أُنتج في سوريا» يتطلب قرارات جريئة تنسّق بين السياسات الزراعية والصناعية والمالية. فالأرض السورية ولّادة بالخيرات، وتحويل هذه الخيرات إلى منتجات نهائية هو، وفق رؤيته، المفتاح الحقيقي لاستعادة استقرار الاقتصاد وقيمة العملة المحلية.
تحويل التراب إلى نقود
يبرع السوريون في «الصناعات البيتية» التي تبوأت قوائم الصادرات عندما وجدت تجاراً يجمعونها ويعيدون توضيبها. وهذا يعني أن الريف السوري ينطوي على خبرات تراكمية جاهزة لتوطين عدد كبير من مشروعات التصنيع الزراعي متناهية الصغر، مشروعات «تحويل التراب إلى نقود».
فدعم هذه المشروعات ونشرها أفقياً على نطاق واسع يمكن أن يعيد الاعتبار إلى القطاع الزراعي وفق حسابات الجدوى والعائد، ويشغّل أعداداً كبيرة من العمالة في فرص مباشرة وغير مباشرة، ويسهم في مكافحة البطالة والفقر وتعديل قوام ميزان الصادرات السوري.
فسوريا بلد زراعي، ويجب أن تظهر ملامح هذه الميزة في سلة السلع التصديرية المصنّعة؛ سلع «صُنع في سوريا»، لا مجرد «أُنتج في سوريا».
إعادة اكتشاف
العودة السورية الملحّة إلى الدفاتر المركونة على رفوف الاقتصاد المغبرّة لن تكون لتحصيل ديون مستحقة، بل لإنعاش أرزاق وقطاعات «مهزومة» في سباقات رسمية غير معلنة نحو مساحات الرفاهية الجوفاء.
لكن التدابير الشعبية السورية تكفلت، لسنوات طويلة، بضمان أدوات البقاء، بحكم التقليد والعادة.
فقد كانت صادمة توضيحات اتحاد المصدرين السوريين يوماً، عندما أُثير الجدل حول تقارير رشحت عن الاتحاد بشأن قيم هائلة للصادرات السلعية التي تدفقت من سوريا إلى أسواق 90 دولة، وتحفّظت وزارة الاقتصاد حينها على الأرقام.
وكان السؤال: أيّ سلع تُصدّرها سوريا إلى العالم في ظرف اقتصادي معقد حينها، عام 2020؟
أما الجواب المدهش فكان: «مخللات.. زيتون مائدة.. قمر الدين... مكدوس... خضار مجففة.. فواكه مجففة.. مربيات»، وسلسلة تطول من منتجات بيتية تندرج تاريخياً في تقاليد مؤونة الأسر في الريف السوري.
تجاهل مريب
الواقع أن الحادثة أماطت اللثام عن أخطاء تراكمية تمثلت في تجاهل ما يشبه «الكنز» السوري المهمل والمنسي، وهو التصنيع الزراعي، في زحام الشغف المريب بالدراسات والتخطيط لتحويل سوريا إلى مجمعات إقليمية للصناعات الهندسية، وموطن جديد لمنتجات اقتصاد المعرفة وتصديرها، وغير ذلك من طموحات وتصريحات «فانتازية» كان يطلقها مسؤولون تنفيذيون، ويصفها متابعون بأنها أضغاث أحلام.
بالفعل، ثمة ما يثير متوالية تساؤلات ملحّة حول أيّ لوثة استحكمت طويلاً بالعقل التنفيذي السوري، فأبعدت أعين القرار عن الميزات النسبية والمطلقة التي يتمتع بها اقتصاد بلد زراعي بامتياز، وكأنها وصمة يهرب منها الجميع.
فلا بأس أن تُصدّر سوريا الخضار والفواكه، وتتعثر الصادرات على المعابر الحدودية فتفسد وتتلف، وتنكسر المنظومة الزراعية مع تبدد جدواها الاقتصادية؛ لكن الطواقم المتوالية على المقصورة التنفيذية لم تؤسس منظومة تصنيع زراعي قادرة على تعظيم القيمة المضافة والحد من تصدير المواد الخام.
أي إن القرار الرسمي لم يكترث لتهمة «الصادرات الخام» التي غلّفت الاقتصاد السوري، وكانت تستوجب مساءلة الحكومة من قبل البرلمان عن الفشل في التأسيس لمنظومة تصنيع زراعي، والتسبب بخسائر جسيمة طالت الفلاحين السوريين.
شاهد على الفشل
بما أن السوريين يتحضّرون في هذه الأيام لجني محصول الزيتون، الموصوف بأنه استراتيجي في الأعراف الشعبية والرسمية، فقد يكون من المناسب التوقف قليلاً عند أحد أبرز الشواهد على الفرص الضائعة.
فسوريا التي عُرفت بإنتاج زيت الزيتون تواجه سؤالاً يتجاوز حجم المحصول إلى الشكل الذي تغادر به صادراتها: هل تخرج «دوغما»، أي سائبة وغير معبأة مباشرة للمستهلك، أم في عبوات تحمل علامة تجارية سورية وتحفظ للمنتج قيمة إضافية؟
ولتوضيح الصورة أكثر، نشير إلى مفارقة رصدناها عام 2020، إذ كانت إسبانيا البلد رقم واحد في استقبال صادرات زيت الزيتون السوري، وهي من أبرز الدول المنتجة والمصدّرة للمادة عالمياً. فلماذا تستورد الزيت السوري إذاً؟
يرتبط جانب من الإجابة بإعادة التعبئة والتصنيع والتصدير، لأن لديها اقتصاداً قائماً بذاته اسمه «اقتصاد زيت الزيتون».
آخر خط الهدر
الآن، وعلى إيقاع الأزمات الاقتصادية وأفول زمن الغذاء الرخيص، بات من الضروري التساؤل: كيف يمكن استدراك ذلك الخلل المزمن واستعادة الميزات الضائعة والقيم المفقودة، بل المهدورة؟
يوافقنا الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور "فاخر قربي" على أن تصدير المنتجات الخام السورية، سواء كانت زراعية أو غير زراعية، يمثل ضياع منفعة اقتصادية كبيرة وفرصاً مهدورة تُقدّر بمليارات الليرات السورية سنوياً.
فعندما تُصدَّر المادة الخام دون مرورها بعملية التصنيع، يخسر الاقتصاد الوطني «القيمة المضافة» التي تنشأ عن التصنيع، ويخسر معها فرص عمل محلية وعائدات ضريبية وقدرة أعلى على جذب القطع الأجنبي.
ضرورة لا خيار
يرى الدكتور "فاخر قربي"، في حديثه إلى «العين السورية»، أن تحويل هذه المنتجات إلى مواد مصنّعة أو نصف مصنّعة ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
ويظهر الفارق في القيمة المضافة، وفق طرحه، من خلال المنتجات الزراعية، مثل زيت الزيتون والكمون ومنتجات الكونسروة. فتصدير زيت الزيتون «دوغما» بالبراميل يحرم البلاد من قيمة تعبئته وتغليفه وتسويقه بعلامة تجارية سورية، وهي عمليات يرى أنها قد تضاعف سعره عدة مرات.
كذلك، فإن تصدير النباتات الطبية والعطرية، كالكمون واليانسون، في صورة حبوب خام يُفوّت فرصة استخلاص الزيوت العطرية والطبية التي تُباع بالغرام بأسعار مرتفعة عالمياً.
وما يسرده قربي مجرد أمثلة من سلاسل إنتاج معطلة، يمكن أن تكون أحد الحوامل الإنقاذية في بلد يعاني اتساع الفقر والبطالة.
استراتيجية إنقاذ
في الزمن الصعب، باتت إعادة بناء استراتيجية تصنيع وطنية مطلباً إنقاذياً بأبعاد اقتصادية وامتدادات اجتماعية.
ويؤكد قربي إمكانية اعتماد استراتيجية لتعزيز بنية التصنيع الزراعي، من خلال الانتقال من التصدير الخام إلى التصنيع، والعمل على محاور متكاملة تشمل الدعم الحكومي والسياسات التحفيزية والإعفاءات الضريبية والجمركية.
ويقترح منح إعفاءات ضريبية كاملة للمصانع الزراعية لعدة سنوات، خصوصاً في الريف وقرب مراكز الإنتاج، وإعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستوردة من الرسوم الجمركية.
ويشمل ذلك دعم تكاليف الإنتاج وحوامل الطاقة، بتأمين المازوت الصناعي والكهرباء المستمرة للمناطق الصناعية بأسعار مدعومة أو مستقرة؛ لأن انقطاع الطاقة يرفع التكاليف ويفسد المواد الغذائية المعدّة للتصنيع.
سياسات مرنة
يقترح قربي فرض رسوم تصدير عالية على المواد الخام لدفع المنتجين إلى بيعها للمصانع المحلية، وفي المقابل تقديم «دعم نقدي» لصادرات المواد المصنّعة.
ويضيف إلى ذلك التمويل المبتكر والتسهيلات الائتمانية والقروض الاستثمارية المدعومة الفائدة، كأن يُصار إلى تأسيس «صندوق دعم التصنيع الزراعي» عبر المصرف الزراعي التعاوني والمصارف العامة، لتقديم قروض طويلة الأجل لإنشاء المعامل بفوائد مخفضة.
التأجير التمويلي والإلزام المرن
وتبدو هنا فكرة التمويل المشترك والتأجير التمويلي إجراءً استراتيجياً؛ فتفعيل خيارات التأجير التمويلي للآلات والمعدات يتيح للمستثمر الصغير بدء مشروعه دون الحاجة إلى رأس مال ضخم لشراء خطوط الإنتاج.
ثم يأتي تنظيم الاستثمارات و«آلية الإلزام المرن»، وربط تراخيص التصدير بالتصنيع. إذ يمكن، وفق المقترح، تطبيق سياسة الحصص، بحيث لا يُسمح للمصدّر بتصدير كمية معينة من المادة الخام إلا إذا صنّع نسبة مئوية منها محلياً، أو استثمر في خط تعبئة متطور.
الزراعة التعاقدية
ويقترح الخبير اعتماد العقود الزراعية الملزمة، وإيجاد صيغ قانونية تحمي «الزراعة التعاقدية»، بحيث يلتزم المستثمر، أو المعمل، بشراء المحصول من الفلاحين بأسعار عادلة ومحددة مسبقاً، ما يضمن تدفق المادة الخام إلى المعمل واستقرار دخل الفلاح.
استثمارات حكومية
يرى قربي جدوى إقامة استثمارات حكومية مباشرة وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتأسيس مجمعات صناعية زراعية متكاملة، وتشييد البنى التحتية، من مستودعات تبريد ضخمة ومراكز فرز وتوضيب ومختبرات جودة، في المحافظات الزراعية، كاللاذقية وطرطوس وحماة والحسكة، وتأجيرها للمستثمرين بأسعار تشجيعية.
وهنا قد يكون لازماً تطوير معامل الكونسروة والزيوت والتجفيف التابعة للقطاع العام، وإدخال خطوط إنتاج حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، وفق صيغة التشاركية، لضمان كفاءة الإدارة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن الانتقال إلى «صُنع في سوريا» بدلاً من «أُنتج في سوريا» يتطلب قرارات جريئة تنسّق بين السياسات الزراعية والصناعية والمالية. فالأرض السورية ولّادة بالخيرات، وتحويل هذه الخيرات إلى منتجات نهائية هو، وفق رؤيته، المفتاح الحقيقي لاستعادة استقرار الاقتصاد وقيمة العملة المحلية.
تحويل التراب إلى نقود
يبرع السوريون في «الصناعات البيتية» التي تبوأت قوائم الصادرات عندما وجدت تجاراً يجمعونها ويعيدون توضيبها. وهذا يعني أن الريف السوري ينطوي على خبرات تراكمية جاهزة لتوطين عدد كبير من مشروعات التصنيع الزراعي متناهية الصغر، مشروعات «تحويل التراب إلى نقود».
فدعم هذه المشروعات ونشرها أفقياً على نطاق واسع يمكن أن يعيد الاعتبار إلى القطاع الزراعي وفق حسابات الجدوى والعائد، ويشغّل أعداداً كبيرة من العمالة في فرص مباشرة وغير مباشرة، ويسهم في مكافحة البطالة والفقر وتعديل قوام ميزان الصادرات السوري.
فسوريا بلد زراعي، ويجب أن تظهر ملامح هذه الميزة في سلة السلع التصديرية المصنّعة؛ سلع «صُنع في سوريا»، لا مجرد «أُنتج في سوريا».


