سوريا - محليات
هل ستتكفّل التعريفة الجمركية الجديدة بانخفاض أسعار الدواء السوري؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٦ مايو ٢٠٢٦، ٠٧:٣٤
3 دقيقة
1

لم تنخفض أسعار الدواء السوري مع انخفاض سعر صرف الدولار وملامسته لعتبة 8000 ليرة سورية، خلال أشهر ما بعد التحرير. على الرغم من انخفاض أسعار الدواء المستورد، تماشياً مع سعر الدولار. الأمر ترك علامات استفهام كثيرة عن أسباب " تعنت" الدواء السوري على معدلات سعرية مرتفعة. في وقت يعلم الجميع أن قرارات رفع أسعاره " قبل التحرير" كانت مصحوبة بمسوغات مباشرة تتعلق بارتفاع أسعار الدولار.. فهل ستؤثّر التعريفة الجمركية الجديدة في سعر الدواء السوري، وتدفع به هبوطاً كما ينتظر مئات آلاف المرضى، لا سيما الأمراض المزمنة ؟
عبء على المرضى
بالفعل، تشهد اليوم أسعار الدواء في سورية ارتفاعاً كبيراً لم نشهده قط، حتى أصبح يشكل عبئاً على المرضى. ليتغير المشهد بشكل كلي؛ فالدواء السوري الذي كان مشهوداً له بالكفاءة وانخفاض سعره لدرجة جعلته مادة مربحة للتهريب إلى دول الجوار، وأصبح اليوم مشابهاً لمثيله في تلك الدول، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن متوسط دخل الفرد في تلك الدول أعلى بكثير مما هو عليه في سورية، إضافة إلى وجود أنظمة تأمين صحي لمواطني تلك الدول جنبتهم الحاجة والعوز اللذين باتا يهددان السوريين في الوقت الحالي.
صمود رغم التراجع
يؤكد الصيدلاني فاتح مهنا لـ " العين السورية"، أن منظومة صناعة الدواء في سورية تعرضت لتراجع ملحوظ؛ فقد كانت البداية بخروج بعض المعامل الضخمة جراء الظرف الاستثنائي الذي ساد على مدى سنوات، ورغم ذلك استطاعت المنظومة الصمود والاستمرار في تأمين الحاجة المحلية بأسعار تنافسية تتناسب مع دخل السوريين حتى وقت قريب.
دعم لم يعد موجوداً
في حين أشار الصيدلاني أغيد العمري لـ " العين السورية" إلى أن الدعم الذي كان يُقدَّم لمعامل الدواء السورية فيما يتعلق بتأمين القطع الأجنبي المدعوم بهدف استيراد المواد الفعالة المستخدمة في صناعة الدواء لم يعد موجوداً، الأمر الذي يفسر الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية المصنعة محلياً لدرجة لم تعد تناسب دخل السوريين، ناهيك عن انقطاع عدة أنواع جراء إلغاء امتيازات بعض الأصناف.
عشوائية
بدوره بيّن الدكتور نضال سعدون لـ " العين السورية"، أن سوق الدواء اليوم يشهد حالة من الانفلات؛ فالصيدليات لا تلتزم بأسعار موحدة لنفس الأصناف، وهنا ثمة ثغرة لها علاقة بتحديد الجهة المعنية بممارسة الدور الرقابي على بيع الدواء. فتارة نجد أن المعني بالموضوع وزارة الصحة، وتارة أخرى نقابة الصيادلة، والبعض يحمِّل التموين المسؤولية، لنصل إلى نتيجة أن جميع هذه الجهات معنية بتحمل مسؤولية الرقابة على الدواء.
تأمين المستلزمات
المسؤولية لا تقف عند هذا الحد – والكلام للدكتور سعدون – بل تتعداها لتشمل ضرورة تأمين الدواء من خلال توفير مستلزمات عملية إنتاجه، بتقديم تسهيلات تصب في مصلحة من هم بحاجة إلى الدواء بالدرجة الأولى، فالدواء لا يقل أهمية عن الغذاء.
مرسوم فني
تساؤلات كثيرة باتت تُطرح مؤخراً بعد صدور المرسوم رقم ١١٠ لعام ٢٠٢٦، وحقيقة أثره على منظومة صناعة الدواء وأسعار الأدوية في سورية، سيما وأنه قد اعتمد التعرفة الجمركية المتناسقة التي من المفترض أنها تضمنت إعفاءات على المواد الأولية الداخلة في الصناعة، ومنها الأدوية.
في هذا الإطار، يرى الدكتور عمر الأسعد، الخبير الاقتصادي الاقتصاد في جامعة اللاذقية، في تصريح لـ " العين السورية"، أن المرسوم رقم 110 لعام 2026، المتضمن اعتماد جدول "التعريفة الجمركية المتناسقة"، سيبدأ العمل به اعتباراً من 1 حزيران/يونيو 2026. ورغم أن عنوان المرسوم يبدو فنياً، إلا أن أثره العملي مباشر على الشركات، لأنه يتعلق بكيفية تصنيف السلع واحتساب الرسوم الجمركية عليها.
وبيَّن أنه إذا كان المرسوم 109 هو الإطار القانوني الجديد للجمارك، فإن المرسوم 110 هو الأداة الحسابية والتنظيمية التي ستدخل في صلب كل عملية استيراد وتصدير وتخليص. وأوضح أن المرسوم اعتمد جدولاً جديداً باسم "التعريفة الجمركية المتناسقة"، كما منح رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بناءً على اقتراح إدارة الجمارك العامة، صلاحية إصدار التعديلات المتعلقة بتوصيف وترميز البضائع والسلع المدرجة في الجدول، بما يتماشى مع التعديلات الصادرة عن منظمة الجمارك العالمية، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تعديل الرسوم الجمركية.
وأضاف: هذه النقطة مهمة جداً، فالتعديل في توصيف وترميز البضائع يختلف عن تعديل الرسوم، بمعنى أن النظام يستطيع التكيف مع تحديثات التصنيف الدولية دون أن يعني ذلك تلقائياً تغييراً في مقدار الرسم المفروض على السلعة.
ليس إجراءً شكلياً
يلفت الدكتور الأسعد إلى أن تصنيف السلعة ليس إجراءً شكلياً؛ فالكود الجمركي يحدد كيف تُعامل البضاعة عند الدخول، وما الرسم المطبق عليها، وما الوثائق المطلوبة أحياناً، وما إذا كانت تخضع لقيود أو ضوابط معينة. وبالتالي، فإن خطأ واحد في التصنيف قد يؤدي إلى فرق في الكلفة، أو تأخير في التخليص، أو مطالبة برسوم إضافية، أو غرامة، أو نزاع مع الجمارك. لذلك، فإن التعريفة المتناسقة يجب أن تُقرأ بوصفها أداة لإدارة المخاطر للشركات، لا مجرد جدول أرقام.
المستوردون أكثر تأثراً
وأكد د. الأسعد، أن المستوردين هم الفئة الأكثر تأثراً بشكل مباشر؛ فكل شركة تستورد مواد أولية، آلات، تجهيزات، قطع تبديل، أدوية، مواد غذائية، منتجات وسيطة، أو سلعاً جاهزة، ستحتاج إلى التأكد من تصنيف سلعها وفق الجدول الجديد. وعليه، فإن الأثر العملي يظهر في ثلاثة مستويات:
• حساب الكلفة قبل الاستيراد – فالشركة لا تستطيع تسعير منتجها بدقة إذا لم تعرف الرسم الجمركي المتوقع.
• تقليل مخاطر التخليص – فكلما كان كود السلعة ووصفها واضحين، انخفض احتمال التأخير أو الخلاف.
• إعادة تقييم الموردين والعقود – بعض العقود يجب أن تراعي تغير التصنيف أو أثر الرسوم على الكلفة النهائية.
لذلك، فإن أي شركة تستورد بصورة منتظمة يجب أن تنشئ قائمة داخلية بسلعها وأكوادها ووثائقها، وأن تراجعها مع مخلص جمركي مؤهل قبل أول عملية بعد نفاذ المرسوم.
خطوات عملية
ويبقى السؤال الأهم حول تأثير المرسوم على أسعار الدواء. هنا يرى الدكتور الأسعد أنه لا يمكن الحكم على ذلك بشكل عام دون مراجعة الجدول التفصيلي لكل سلعة. فالمرسوم نفسه يعتمد جدول التعريفة، ويتيح تحديث توصيف وترميز السلع بما يتماشى مع منظمة الجمارك العالمية دون أن يؤدي هذا التحديث بحد ذاته إلى تعديل الرسوم الجمركية.
وأضاف: على الشركات المستوردة والمصدرة اتخاذ خطوات عملية قبل بدء التطبيق الكامل، كإعداد قائمة بالسلع المستوردة أو المصدرة بشكل متكرر، وتحديد الكود الجمركي لكل سلعة وفق التعريفة المتناسقة، ومراجعة الفواتير والوصف التجاري والكتالوغات والمواصفات الفنية، وتقدير أثر الرسوم على التكلفة النهائية، ومراجعة العقود والأسعار عند وجود تغير في الكلفة. ليختم حديثه بأنه من المبكر الجزم بتأثير المرسوم على الأسعار بشكل عام والدواء بشكل خاص قبل تنفيذ الخطوات المذكورة.


