سوريا - اقتصاد
التجارة الإلكترونية في سوريا.. من سوق استقطاب سلعي إلى قناة تصدير فاعلة
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١٥:٠٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ما زال قطاع التجارة الإلكترونية في سوريا في مراحله الأولى مقارنةً بالدول المجاورة. فالتحول من مجرد قناة بيع محلية محدودة، تعتمد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي والدفع عند الاستلام، إلى أداة اقتصادية فاعلة ومصدر للصادرات، يتطلب عملاً مشتركاً يبني منظومة متكاملة تشمل التشريعات والدفع الإلكتروني واللوجستيات والثقة والبنية التحتية الرقمية، وذلك من خلال بناء إطار تنفيذي موحد يربط بين المنصات والتطبيقات وأصحاب المصلحة وصنّاع القرار.
البيئة التشريعية
يؤكد خبير أنظمة المعلومات وائل شربا، في تصريح لـ"العين السورية"، أن البيئة التشريعية الحالية تشكل أساساً مقبولاً، لكنها غير كافية بعد للنمو الواسع والمستدام. فالقوانين القائمة، مثل قانون المعاملات الإلكترونية وقانون التوقيع الرقمي وقانون حماية البيانات الشخصية، تعاني من التشتت، وتقادم بعض الأحكام، وضعف آليات التنفيذ والرقابة وتسوية النزاعات. وأشار إلى الحاجة لإطار تنفيذي موحد يعالج تسجيل المتاجر والصفحات التجارية، ومسؤولية المنصات، وحق الإرجاع، وآليات الاعتراض على المدفوعات، وحماية البيانات، والفوترة الإلكترونية، والتجارة العابرة للحدود، وآلية سريعة للنزاعات الصغيرة، وضوابط التقييمات والإعلانات، إضافةً إلى سجل وطني للمتاجر يحمل علامة ثقة يمكن للمستهلك التحقق منها.
العقبات العملية
أما العقبات العملية فتتركز، بحسب شربا، في أربعة محاور مترابطة، ففي الدفع الإلكتروني يبقى السماح بالتعامل مع شبكات عالمية خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لا تعني اكتمال الربط الفعلي، إذ ما زال الاعتماد كبيراً على الدفع عند الاستلام، مع محدودية انتشار الحسابات والمحافظ، وصعوبة الاسترداد.
ثم هناك ما يتعلق باللوجستيات.. إذ تتجاوز المشكلة وجود شركات توصيل، إلى غياب منظومة متكاملة للعنوان الدقيق، والتتبع، وتحصيل الأموال، وإعادة الشحنات، والتأمين.
والمسألة الثالثة تتعلق بثقة المستهلك، التي تتطلب جهة يمكن الرجوع إليها عند النزاع، من خلال سجل علني، وعلامة ثقة حكومية، ومركز شكاوى موحد، ونشر مؤشرات أداء المتاجر.
وهناك مشكلة البنية التحتية، فمحدودية تغطية الإنترنت، وضعف الاعتمادية والكهرباء، مسائل تبقى تحدياً أساسياً.
الحلول المقترحة
يقترح شربا حلولاً عملية خلال العامين المقبلين، تشمل تشغيل شبكة دفع وطنية قابلة للتشغيل البيني، واعتماد رمز QR موحد، وفتح حسابات تاجر رقمية مبسطة، وتطبيق التعرف الإلكتروني على العميل، وربط الدفع بالفاتورة والشحن، إلى جانب عنوان وطني رقمي، ومراكز تجميع إقليمية، ومسار جمركي سريع للطرود الصغيرة.
تحديات بنيوية
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي، في حديثه لـ"العين السورية"، أن سوريا تواجه تحديات بنيوية وتشريعية كبيرة، وأن البيئة الحالية غير كافية، خاصةً في حماية المستهلك والبيانات والحوكمة. ويتركز الحل في تركيز الحكومة على تطوير منظومة الدفع الإلكتروني وتكاملها مع الخدمات المصرفية والفوترة، وتحسين الأمن السيبراني، وتطوير البنية التحتية للاتصالات لتوفير إنترنت أسرع وأكثر استقراراً في جميع المناطق، ومعالجة صعوبات التوصيل في المناطق النائية.
أداة تصدير فاعلة
وفيما يتعلق بتحويل التجارة الإلكترونية إلى أداة تصدير، أكد شربا ضرورة البدء بالخدمات الرقمية مثل البرمجيات والتصميم والترجمة والعمل عن بُعد، لأنها الأسرع ولا تحتاج إلى شحن، ثم الانتقال إلى سلع ذات قيمة مرتفعة مقارنة بوزنها، كالحرف اليدوية، والمنتجات التراثية، والألبسة المتخصصة، والأغذية المصنعة. ودعا إلى إنشاء مسار وطني للتصدير يشمل منصة متعددة اللغات، وشهادة منشأ إلكترونية، وتخليصاً جمركياً مبسطاً، ومراكز تنفيذ طلبات في دول قريبة، وتأميناً وائتمان صادرات. وأشار إلى أن رفع معظم العقوبات الاقتصادية في 2025 فتح نافذة مهمة، لكنه لا يعني عودة تلقائية للبنوك المراسلة أو المنصات الدولية. أما الزعبي فشدّد على تعزيز المحتوى المحلي، وإطلاق السجل الوطني للتصدير، وتكامل الأنظمة الحكومية في الدفع والفوترة والتسجيل المبسط.
توزيع الأدوار
وفي توزيع الأدوار، اتفق الخبيران على أن الحكومة مسؤولة عن وضع القواعد والمعايير، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتنظيم المدفوعات، وحماية المستهلك، وتبسيط الضرائب والجمارك، وفتح الأسواق الخارجية، دون أن تنافس القطاع الخاص. أما القطاع الخاص فهو المحرك الأساسي لبناء المنصات، وتطوير الحلول، والاستثمار في الجودة، والأمن السيبراني، والتسويق، والتدريب.
السيناريو المستقبلي
أما السيناريو الأكثر واقعية خلال السنوات الثلاث المقبلة، فيتلخص، بحسب شربا، في نمو تدريجي يبدأ محلياً ثم ينتقل إلى تصدير انتقائي..
في السنة الأولى.. تنظيم السوق المحلي وزيادة انتشار المحافظ والدفع بالـQR، مع بقاء الدفع عند الاستلام مسيطراً.
وفي السنة الثانية.. الانتقال إلى المنصات المتكاملة وربط الدفع والشحن والفواتير.
أما في السنة الثالثة.. نمو تصدير الخدمات، ثم دخول سلع متخصصة محدودة إلى أسواق الجوار.
يتوافق هذا مع تجارب الأردن في التشريعات واللوجستيات، والسعودية في الإفصاح والثقة. ويؤكد الزعبي أن النجاح يتوقف على تطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء الإطار التشريعي، وحلول الدفع واللوجستيات، وتكامل الجهود الحكومية. فالعوامل الحاسمة تشمل: استقرار سعر الصرف، واستقرار الكهرباء والإنترنت، ووضوح الضرائب، وانخفاض كلفة الشحن، وحماية المستهلك الفعلية، وعودة العلاقات المصرفية، ومنع الاحتكار، وتوافر المهارات الرقمية.
متطلبات
التجارة الإلكترونية في سوريا مرشحة لنمو ملموس، لكنه سيكون في البداية محلياً وهجيناً بين وسائل التواصل والمنصات والدفع عند الاستلام. أما تحولها إلى قطاع اقتصادي حقيقي ومصدر للصادرات، فيتطلب حزمة واحدة تجمع القانون والدفع والاتصالات واللوجستيات والجمارك والثقة، وليس مجرد إطلاق منصات أو تدريب عدد محدود من التجار. فالفرصة قائمة، والنجاح مرهون بقدرة الحكومة والقطاع الخاص على تحويل النقاشات إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ المستدام.


