سوريا - اقتصاد
نحو نموذج "المورد الإقليمي المرن".. كيف تنجح سوريا بالتقاط فرص سلاسل الإمداد الخليجية؟
ر
رهام علي
نشر في: ٢١ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٩:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تطرح دراسة صادرة عن بوابة الأعمال السورية رؤية عملية ومفصلة لتحويل سوريا إلى قاعدة تصنيع وتوريد إقليمية للأسواق العربية والخليجية والعراقية، بعيداً عن منطق الشعارات أو محاولة منافسة عمالقة التصنيع الآسيوي، ومستندةً إلى نموذج "المورد الإقليمي المرن" الذي يرتكز على الموقع الجغرافي والإرث الصناعي والزراعي وحاجة الخليج لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية البعيدة.
وفي قراءة نقدية لهذه الدراسة، يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أنها "مبنية على أساس قوي وجيدة بالأساس لكونها وضعت طريقة عمل واضحة تقوم على اختيار المصانع وتأهيلها وربطها بعقود تجريبية وطويلة الأجل ثم تمويلها من العقد نفسه، غير أنها ارتكبت خطأً هيكلياً بوضع العقبات الكبرى مثل الكهرباء والبنوك والجودة في آخر الدراسة، في حين أنها الحاكم الفعلي لإمكانية نجاح المرحلة الأولى من الأساس".
جوهر الرؤية الاقتصادية
تقوم فرضية الدراسة على أن سوريا لا تبدأ من الصفر بفضل إرثها الصناعي ومدنها الصناعية وحاجتها لإعادة الإعمار، مقترحة إنشاء نموذج "المورد السوري المعتمد" لبناء شبكة تضم مئات الموردين وعشرات عقود التوريد خلال أعوام محدودة، من خلال منظومة متكاملة تشمل مصانع مؤهلة ومدخلات مستقرة وعقوداً وتمويلاً وشهادات جودة ولوجستيات وبوابة رقمية.
وتنطلق الدراسة بشكل صحيح من قطاع الزراعة والصناعات الغذائية مدعومة بأرقام حقيقية تشير إلى أن الزراعة تشكل نحو 64 بالمئة من الصادرات السورية وأن دول الخليج تستورد حوالي 85 بالمئة من غذائها، وهو طلب حقيقي وليس نظرياً، يليه قطاع النسيج الذي كان يشكل قبل عام 2011 نحو 45 بالمئة من الصادرات الصناعية غير النفطية مع وجود أكثر من 24 ألف منشأة يعمل منها نحو 13.8 ألف منشأة.
لكن عبد الكريم يلفت الانتباه في حديثه مع "العين السورية" إلى "ثغرات غفلت عنها الدراسة تتمثل في تراجع إنتاج القطن من قرب المليون طن تاريخياً إلى نحو 150 ألف طن هذا الموسم، مما سيجبر البلاد على استيراد القطن لتصنيع النسيج، وهو ما يقلل من ميزة الكلفة ويحول القطاع إلى تصنيع بأجرة بدل اعتباره ميزة طبيعية، مع التركيز على فئات محددة كأزياء العمل ومفارش الفنادق والأقمشة القطنية".
كما يشير إلى أن واقع القمح يعاني من فجوة واضحة وإنتاج غير مضمون على ري مياه الأمطار وحدها، مما يحتم حصر التصدير بسلة ضيقة من منتجات فائضة وعالية القيمة وقليلة استهلاك المياه وفصلها قانونياً عن السلع الاستراتيجية لمنع صدور قرارات منع تصدير فجائية مع أول أزمة داخلية، وتضم القائمة زيت الزيتون ومنتجاته، الخضار والفواكه المبردة والمصنعة، المعلبات والمخللات والكونسروة، البقوليات والحبوب المعبأة، الأعشاب والتوابل والزعتر والسماق، الحلويات الشرقية، الأجبان والألبان طويلة الأجل، والمنتجات التراثية كالبرغل والفريكة.
الوهم التنافسي ومعضلة الممرات
كذلك، يعتبر عبد الكريم أن "أضعف جزء في الدراسة يكمن في فصل المنافسة الذي يتعامل مع سوريا وكأنها منافس مباشر لتركيا ومصر والمغرب، في حين أن سوريا اليوم سوق وليست مورداً، بدليل أن تركيا صدرت لسوريا نحو 2.57 مليار دولار سنة 2025 وأن الأردن صدر حوالي 149 مليون دولار مقابل 65 مليوناً فقط بالاتجاه المعاكس، مما يجعل مقارنة منافسة تركيا ومصر غير دقيقة، فالهدف الواقعي هو رفع نسبة تغطية الصادرات للواردات بممر أو ممرين محددين قابلين للقياس، مع إدراك نقاط قوة ومواضع ضعف المنافسين من تضخم وكلفة وتوجيه أوروبي لديهم". وفي هذا السياق تشكل الممرات البرية أصدق رهان في الدراسة بمرور نحو 155 ألف شاحنة وصهريج من معبر التنف من نيسان حتى تاريخه ووصول أول شحنة سورية للكويت بنظام النقل الدولي، مع ضرورة الحذر من القرارات الإدارية المفاجئة مثل قرار المناقلة في شباط 2026 الذي ضاعف كلفة النقل قبل تعديله في آذار، وما يتبعه من غرامات تأخير تعاقدية.
وفي المقابل، غفلت الدراسة وفقاً لـ عبد الكريم عن ورقة قوية تتمثل في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي تمنح المنتج إعفاءً جمركياً بشرط تحقيق قيمة مضافة محلية بنسبة 40 بالمية، وهو إعفاء غالباً ما يكون أثمن من ميزة الأجور. وحول الأجور التي يبلغ حدها الأدنى نحو 100 دولار شهرياً، يشير الخبير إلى أن ما يهم المشتري هو كلفة الوحدة ما يعني الأجر مقسوم على الإنتاجية، ومع التقنين المتقطع والآلات القديمة قد تصبح كلفتنا أغلى من التركية رغم رخص الأجر الاسمي. وتتكامل هذه المنظومة مع قطاعات مساندة كمواد البناء والإعمار المتمثلة بالحجر والرخام والسيراميك والأبواب والنوافذ والدهانات والعوازل والأنابيب والمطابخ الجاهزة الموجهة للعراق والأردن والخليج، وقطاع التغليف والطباعة الاستراتيجي للعبوات والكرتون والملصقات والتغليف الفراغي والمبرد، وصولاً إلى الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية الجنيسة والمعقمات والضمادات والمكملات.
أزمة الكهرباء والتشغيل الفعلي
يمثل ملف الكهرباء الخطر الأكبر بحسب ما وصفه عبد الكريم؛ فبينما تبلغ القدرة المتاحة نحو 2 غيغاواط مقابل 8.5 غيغاواط قبل الحرب والغاز المنتج 6 ملايين متر مكعب مقابل حاجة 30 مليوناً، وتحسنت ساعات التغذية الفعلية لتتراوح بين 6 و8 ساعات يومياً مع وجود مناطق تصل فيها إلى 12 ساعة وأخرى لا تتعدى 4 ساعات وبريف دمشق 7 ساعات قطع مقابل ساعتين وصل، فإن المشكلة الأساسية للمصنع المصدّر لا تكمن في عدد الساعات بل في انتظامها وغياب جدول تقنين ثابت يُبنى عليه. إن التفاوت الحاد في التغذية بين محافظة وأخرى وحتى بين حي وحي، واضطراب خطوط التعبئة وتشغيلها وإيقافها خمس مرات يومياً، يضرب ثبات الجودة ويزيد الهدر، كما يؤدي إلى انكسار سلاسل التبريد فوراً عند أي انقطاع مفاجئ حتى لو كان مجموع الساعات 8. وبناءً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي في تحليله، أن "المنتجات التي تصدرتها الدراسة في الأولوية الأولى مثل الخضراوات المبردة والمجمدات والألبان هي بالضبط ما لا يمكن ضمانه، والأصح أن تنطلق السنة الأولى بمنتجات تتحمل التقطع مثل زيت الزيتون المعبأ، الأعشاب، البهارات الناشفة، الحبوب، المخللات، وخياطة النسيج، مع تأجيل التبريد والتجميد حتى ينتظم التقنين أو يتأمن توليد ذاتي للمنشآت يتم تمويله ضمن العقد نفسه".
الامتثال المصرفي وواقع القائمة الرمادية
في الجانب المالي والمصرفي، نجحت الدراسة في التفريق بين العقوبات وأثر سنوات العزلة، ورغم انقضاء جزء كبير من القيود القطاعية وقانون قيصر وفتح الباب أمام البنوك الأوروبية لعلاقات مراسلة، إلا أن بقاء سوريا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي يجعل أي بنك مراسل يفرض تدقيقاً مشدداً على كل حوالة فيهرب من التعامل حتى وإن كان مسموحاً له، بحسب تعبير محمود عبد الكريم. وهنا يحذر من خطورة مقترح استخدام حسابات وسيطة في دول عربية لأنه سيُقرأ من قبل موظف الامتثال على أنه محاولة لإخفاء المصدر. أما المسار الأسلم فهو أن يتولى المشتري الخليجي فتح اعتماد مستندي مباشر من بنكه لتقديم تعهد بالدفع مقابل مستندات مطابقة، وبذلك ينتقل عبء الثقة والتدقيق إليه لا إلى المصنع السوري.
ويتكامل هذا المسار مع نماذج عقود توريد تشمل العقد التجريبي لمدة 6 إلى 12 شهراً بكميات محدودة لثلاث شحنات قبل الزيادة وببنود دقيقة للمواصفات والكميات والسعر والتغليف والفحص والتسليم والدفع والرفض والسرية وفض النزاع بمركز كدبي أو الرياض أو عمان، ونموذج التصنيع بعلامة خاصة لسلاسل التجزئة دون انتظار علامة مستقلة، ونموذج التمويل مقابل التوريد، ونموذج الشركة الصناعية المشتركة. وفي المقابل، يعتبر حجم صندوق ضمان التوريد المقترح بين 10 إلى 25 مليون دولار رقماً منطقياً للغاية، إذ يستطيع إن غطى نصف قيمة العقد ودار ثلاث أو أربع مرات سنوياً أن يسند توريداً فعلياً يتراوح بين 60 إلى 150 مليون دولار لتغطية رأس المال العامل.
مطبات التسجيل والسيناريوهات الرقمية
يتطرق التحليل أيضاً إلى قطاع الدواء ليؤكد صواب وضعه في المدى المتوسط لقدرة المعامل الحالية على تغطية السوق المحلي بنسبة تزيد عن 80 بالمئة عبر 84 معملاً، مشدداً على أن القيد الحقيقي لا يكمن في المصنع بل في التسجيل والاعتماد الصارم. وهو ما ينطبق على الغذاء أيضاً إذ لا تكفي شهادة للمصنع بل تتطلب الأمر ثلاث طبقات متتالية تشمل اعتماد المنشأة، مطابقة المنتج للمواصفات الخليجية، وتسجيل بطاقة البيان في بلد الوصول، وكل جدول زمني يتجاهل تفريق هذه الطبقات سيتأخر بالتأكيد. وحول أرقام الدراسة، يرى الخبير أن هدف المئة إلى مئة وخمسين مورداً بسنتين، وحجم التوريد بين 10 إلى 25 مليون دولار، يمثل مشروعاً تجريبياً محترماً لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الصادرات التي تعدت المليارين سنة 2025. بينما يتطلب السيناريو الطموح ببلوغ 500 مليون إلى مليار دولار (مع إمكانية بلوغ 1.5 إلى 2 مليار في السيناريو المتطور) مضاعفة صادرات البلاد ببرنامج واحد مشروط بثلاثة عناصر قابلة للقياس تشمل كهرباء صناعية منتظمة بحد أدنى 16 ساعة بجدول تقنين ثابت، علاقات مراسلة فعلية مع بنوك خليجية محددة، والخروج الفعلي من القائمة الرمادية، فضلاً عن فك رقم فرص العمل (50 إلى 80 ألف فرصة) ليتناسب مع الواقع الفعلي للمدن الصناعية التي توفر اليوم نحو 207 آلاف فرصة. وتكتمل منظومة العمل بحسب الدراسة الصادرة عن "بوابة الأعمال السورية" عبر "برنامج المورد السوري المعتمد" بمستوياته الأربعة من التأهيل وحتى الاستراتيجية، وإنشاء منصات التشبيك الرقمي مثل بوابة الأعمال السورية ودليل الشركات، ومراكز التجميع والتبريد في حوران والساحل والغاب وحلب والجزيرة وحمص، وممرات التوريد البرية، ليتحول هذا الدليل والمادة الصحفية برمتها من مقالة عادية إلى عرض تجاري محترف مبني على العقبات الحقيقية ومصمم خصيصاً ليقرأه مدير المشتريات في أي شركة خليجية كبرى ويوقع عليه بثقة تامة.


