سوريا - اقتصاد
هل ستُرمم الإعفاءات الضريبية آثار رفع أسعار المحروقات؟
ا
العين السورية - نورا حربا
نشر في: ١٤ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٢٦
3 دقيقة
4

بعيداً عن السجالات الدائرة حالياً حول أثر قرار رفع أسعار المشتقات النفطية الصادر مؤخراً على الواقع المعيشي، والذي جاء لاحقاً لقرار رفع أسعار تعرفة الكهرباء، كان هناك من يراهن على النظام الضريبي المقترح مؤخراً، وحمل في طياته إعفاءات ضريبية شملت من دخلهم السنوي أقل من خمسين مليون ليرة سنوياً، كما تضمن تخفيضاً للتكاليف الضريبية على مستوى الشركات بمجالاتها المختلفة. إذ اندرجت هذه الخطوة في إطار تخفيف الأعباء على شريحة الموظفين وذوي الدخل المحدود، وأيضاً لدعم الاستثمار بمختلف قطاعاته، لتطرح مجموعة من التساؤلات حول أثر هذا الأمر على الإيرادات بشكل عام، والأهم من هذا وذاك: الواقع المعيشي للسوريين.
إجراءات غير واضحة
حاولنا نحن " العين السورية" قدر الإمكان سبر آراء شرائح مختلفة من السوريين، وكانت البداية مع «محمود الرفاعي»، وهو موظف، يؤكد أن التفاصيل حول النظام الضريبي المقترح ما زالت غير واضحة بالنسبة للشرائح المستهدفة، كما أن موعد تطبيقه غير معروف. لافتاً إلى أن الموظفين يعتبرون الشريحة الوحيدة التي تلتزم بتسديد الضرائب والرسوم، بحكم أنها تُخصم منهم قبل حصولهم على رواتبهم، في الوقت الذي تتفنن فيه الشرائح الأخرى بالتهرب من دفع الضرائب والرسوم.
تفريغ إيجابيات قرار ذي شعبية
أما «عمر الحلاق»، الموظف في شركة خاصة، فيرى أن أي حديث عن أثر إيجابي للنظام الضريبي المقترح على الواقع المعيشي للمواطنين لن يكون دقيقاً، بعد القرارات الأخيرة التي رفعت أسعار كل شيء، بدءاً من البنزين والمازوت، ومروراً بالغاز، وليس انتهاءً بالكهرباء والخبز. منوهاً في الوقت ذاته بأن الأسواق تعيش حالة فوضى فيما يتعلق بالتسعير، فالجميع لا يلتزم بسعر موحد لنفس السلعة، وبالتالي من الصعب – وربما المستحيل – أن يتم رصد أثر الإعفاءات الضريبية على الواقع المعيشي.
ويؤكد «جاد عرب» أن أي إعفاء من الضرائب والرسوم أو حتى تخفيض بالنسبة للشركات سيكون له أثر إيجابي على السوريين، ولكن ما زالت التفاصيل مبهمة وغير واضحة. فالمسألة ربما فنية بحتة، وهي بحاجة لمتخصص في المجالات المالية والضريبية لإدراك تفاصيلها وتأثيرها.
حتى أن المحاسبين والماليين في المؤسسات والشركات، سواء في القطاع العام أو الخاص، لم تصلهم أي تعليمات جديدة بخصوص النظام الضريبي المقترح. وربما في الفترة القادمة ستصبح التفاصيل أكثر وضوحاً.
التحديث ضرورة
في سياق الرؤية الفنيّة المتخصصة، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور «علي محمد» لـ«العين السورية» أن المقترح الجديد لرفع سقف الإعفاء الضريبي يُعد ضرورة قصوى في الوقت الراهن. فالنظام الضريبي المطبق حالياً قديم ومعمول به منذ سنوات طوال، حتى أن آخر تحديث طرأ عليه كان منذ عام ٢٠٠٣. وحالياً، وبعد أكثر من عشرين عاماً، يفترض في النظام الضريبي أن يحاكي التطورات الحاصلة، خاصة في المجالات الرقمية. ومع التخفيضات الضريبية التي أُعلن عنها في النظام الضريبي الجديد، وحتى يبدأ العمل به، لا بد من انعقاد مجلس الشعب المنتظر، وهو يحاكي ما تحتاج إليه سوريا خلال الفترة المقبلة.
منوهاً أن النظام الضريبي الجديد تزامن مع قانون الاستثمار الجديد ليكونا متوائمين للفترة القادمة، والهدف الأساسي تشجيع الاستثمار بكافة قطاعاته بشكل كامل، وبنفس الوقت تشجيع ذوي الدخل المحدود على تنشيط الاستهلاك، وعلى البقاء ضمن مستوى أو الحد الأدنى للمعيشة.
مردود إيجابي
ويبيَّن د. المحمد أن النظام ركز بشكل أساسي على تقديم إعفاءات لذوي الدخل الشخصي، أي المحدود والموظفين وغيرهم. هذه الإعفاءات يمكن أن يكون مردودها إيجابياً. والحديث اليوم عن إعفاءات بحدود المليون ليرة سورية، وبالتالي أي شخص دخله السنوي خمسون مليون ليرة، يُضاف إليها بدل إعانة ستة ملايين ليرة، إضافة إلى ثمانية ملايين بدل غلاء معيشة (أي دخل أقل من ٦٤ مليوناً سنوياً) فهو معفى من الضريبة. وبالتالي ثمة فائدة غير مباشرة لمن دخله السنوي أقل من هذا الحد، فهو سيستفيد من الإعفاء الضريبي. مشيراً إلى أن الفئة المستهدفة تشمل موظفي القطاعين العام والخاص بشكل عام.
توحيد الضريبة
وفيما يتعلق بالشق الثاني من المقترح – والكلام للدكتور محمد – والذي طرح إعفاءات خاصة بالشركات، فإذا نظرنا نظرة كلية إلى الاقتصاد الوطني، فإن المقترح خفَّض الضرائب على الشركات بنسبة تتراوح بين ١٥% و٣٥% مباشرةً. على سبيل المثال: الضريبة على المصارف ٢٥%، وعلى شركات النفط والغاز ٣٥%، وبعض الشركات ٢٠%. واليوم تم توحيد الضريبة؛ حيث حددت ١٠% لبعض القطاعات و١٥% لقطاعات أخرى. وبالتالي فالنتيجة تشجيع الاستثمارات في هذه القطاعات، ومردود هذا الأمر سيكون إيجابياً على الاستثمار وإيرادات الخزينة، وسينعكس على المواطن.
مساواة بين الفقراء والأغنياء
وبالدخول في تفاصيل المرادفات التي تضمنها المقترح، لفت إلى أن فرض ضريبة ٥% على المبيعات سيكون أثرها على جميع المستهلكين، سواء كانوا فقراء أم أغنياء.
ويرى الدكتور محمد أن الحديث عن حقيقة وجود هكذا رواتب هو مقاربة غير منطقية. وربما هذا الحد من الرواتب متوافر لدى بعض نشاطات القطاع الخاص. وإذا أردنا تقييم هذا الإجراء، فإن إعفاء الحد الأدنى من الأجور يحاكي متطلبات المعيشة في سورية. وإذا أردنا أن نقارن هذا الدخل مع متطلبات المعيشة، فنحن نتحدث عن الحد الأدنى، فلا يوجد أسرة إلا وتحتاج إلى ٥٠٠ دولار شهرياً. وبالتالي ما زالت هناك هوة بين متطلبات المعيشة والدخل. والإعفاء جاء حسب مقدرات الدولة والقاعدة الضريبية المستهدفة بالدرجة الأولى.
إيجابي، ولكن...
وأضاف: عند فرض ضريبة على المبيعات، فهي تشمل كافة السلع وتستهدف جميع المستهلكين بغض النظر عن حالتهم المادية والمعيشية. وبالنسبة للإعفاء الضريبي على المواد والسلع الأساسية الذي تحدث عنه السيد وزير المالية، فسيؤثر بأن تنخفض الكلفة، وسيكون إيجابياً ولكن ليس ملموساً بشكل كبير، خاصة أن الضرائب كانت متشعبة، وليس كل السلع تخضع لنفس الضريبة. فنحن نتحدث عن أكثر من خمسين ضريبة مباشرة أو غير مباشرة كانت تُفرض، وبالتالي تم نقل العبء الضريبي من الدخل إلى الاستهلاك.
بالأرقام
إذا تحدثنا بالأرقام – حسب الدكتور محمد – فإن الإيرادات المحددة في موازنة عام ٢٠٢٦ تقدَّر بـ ٨,٧ مليار دولار. خمسون بالمئة من هذه الإيرادات هي من الضرائب والرسوم، أي ٤,٣ مليار دولار تقريباً. فهل ستتمكن وزارة المالية من تحقيق هذه الإيرادات؟ هذا أمر سيظهر خلال الفترة القادمة خاصة بعد تطبيق النظام الضريبي الجديد.
مهمة شاقة
وأشار د. محمد إلى أن برامج الحماية الاجتماعية وحماية الطبقات الهشة التي يتم الحديث عنها حالياً، عمرها عام تقريباً، أُعلن عنها في تموز الماضي بهدف تصميم استراتيجية لمكافحة الفقر في سورية. تعني أننا سنكون أمام مرحلة يكون فيها الفقير والمُعْدِم في وضع يتاح له تأمين جزء من الحاجات الأساسية للمعيشة في الحدود الدنيا، ولكنها مهمة شاقة، سيما وأنه اليوم تم رفع الدعم بجله، حتى بالنسبة لرغيف الخبز والكهرباء والمشتقات النفطية مؤخراً. وبالتالي الطبقات الفقيرة ما زالت تواجه تحدياً قد يستمر بضع سنوات، لأن الموضوع بحاجة إلى إيرادات مالية كبيرة لتمكين برامج الحماية الاجتماعية من القيام بدورها الفعال.
الأعلى على مستوى المنطقة
وأكد أن التخفيضات الأخيرة التي شملها النظام المقترح هي الأعلى على مستوى المنطقة. وبالنسبة لمسألة أثر هذا الأمر على الإيرادات: هل الهدف توسيع القاعدة الضريبية ومن ثم زيادة حجم الضرائب والرسوم؟ ربما هذا التوجه. ولكن هل سيصَحُّ أم لا؟ الإجابة مرهونة بالفترة القادمة. وإذا لم تتحسن الإيرادات للخزينة العامة، فإن قدرة انعكاس هذا الأمر على مستوى الخدمات ستكون محدودة للغاية.
أخيراً...
الخطوة التي نحن بصددها، وبغض النظر عن موعد تطبيقها غير المعروف (لأنه مرتهن ببدء أعمال مجلس الشعب المنتظر)، تكاد تفقد زخمها المتوقع، سيما وأن الارتفاع الذي طرأ على الأسعار بالنسبة لمختلف السلع والمقدر بحوالي ٣٠% سيغطي أي أثر إيجابي للإعفاءات الضريبية في حال تطبيقها، كما أنه ابتلع الزيادة المنتظرة على الرواتب والأجور، ليصبح واقع الحال: أخذت بالشمال ما أُعطي باليمين. ومع هذا، فإن الإسراع في تطبيق الإعفاءات أفضل من عدم تطبيقها.


