سوريا - محليات
وزير المالية يُطمئن من يسأل عن معاشات المتقاعدين.. فماذا عن " أزمة" التأمينات الاجتماعية؟
ا
العين السورية
نشر في: ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، ١١:١٨
3 دقيقة

في تحول لافت، باتت إدارة دفّة التأمينات الاجتماعية، وملف المتقاعدين تُدار من قبل وزارة المالية، لا من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كجهة صاحبة وصاية إدارية على المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، التي هي مظلة المتقاعدين في سوريا.
والسبب ليس عسيراً على الفهم، فمؤسسة التأمينات الاجتماعية لم تعد صاحبة وفرة مالية لتتصرف بها وتصرف منها رواتب المتقاعدين، وذلك بعد الاختلالات الكبيرة بين عدد العاملين وعدد المتقاعدين، بما أن تمويل المتقاعد يقوم بشكل أساسي على الاقتطاعات من الذين على رأس عملهم.
تطمينات
بعد تساؤلات ملحّة في أوساط المتقاعدين، حول إن كانت الزيادة التي طرأت " بمرسوم جمهوري" على رواتبهم، ستُصرف بداية الشهر القادم " تموز"، أم ستؤجّل لتأمين التمويل..أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن معاشات المتقاعدين ستصرف في الأيام القادمة وستتضمن الزيادة المشار إليها في المرسوم الرئاسي رقم 135 لعام 2026.
تطمينات الوزير برنية جاءت عبر منشور على صفحته في فيسبوك اليوم الثلاثاء، مفاده أن الوزارة استكملت إصدار التعليمات التنفيذية للمرسوم بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
وأشار الوزير برنية إلى حرص الوزارة على تقديم كل الدعم والتمكين اللازم للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، للوفاء بالتزاماتهما في صرف الرواتب دون تأخير.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر المرسوم رقم 135 لعام 2026 الذي يمنح المتقاعدين في سورية زيادة بنسبة 30% على معاشاتهم، مع ضمان ألا يقل المعاش الجديد عن الحد الأدنى للأجور البالغ 12560 ليرة سورية جديدة . وأكد وزير المالية أن هذه الزيادة رفعت متوسط المعاشات بنحو 56%، وأنها ممولة من مصادر حقيقية وليست عبر التمويل بالعجز الذي قد يسبب التضخم .
تحديات
لم يُخف القائمون على مؤسسة التأمينات الاجتماعية، وفي تصريحات إعلامية متعددة، أن المؤسسة تواجه أزمة مالية حقيقية، بسبب زيادة عدد المتقاعدين التي تضغط على استدامتها.
إذ تُعاني المؤسسة من أزمة هيكلية معقدة، حيث تشير المؤشرات إلى أن نظام المعاشات "يواجه صعوبات مستمرة في سداد الدفعات، مما يعكس التوتر بين الالتزامات الاجتماعية والقيود الاقتصادية للدولة" . وتتفاقم هذه الأزمة زيادة أعداد المتقاعدين وبالتالي زيادة الاستحقاقات والالتزامات. ارتفع عدد المتقاعدين بشكل كبير، مما ضغط على صندوق التأمينات . وقد أدى المرسوم رقم 103 لعام 2025 بزيادة المعاشات بنسبة 200% إلى رفع الكتلة الإجمالية للرواتب الشهرية من 145 مليار ليرة إلى حوالي 425 مليار ليرة، وهو ارتفاع هائل في المصروفات دفعة واحدة .
هذا إلى جانب تراجع الإيرادات، إذ يعتمد النظام التأميني بشكل أساسي على اشتراكات العاملين الحاليين لتمويل معاشات المتقاعدين . لكن سنوات الحرب أدت إلى إغلاق آلاف المنشآت، وتراجع التسجيل الرسمي، وتهرب تأميني واسع، مما تسبب في "عجز مزمن" في الإيرادات .
إضافة إلى ذلك، فإن سياسات الحكومات السابقة التي استندت إلى صندوق التأمينات لسد عجز الإنفاق العام، حولت احتياطياته إلى "صندوق الدين العام" وأضعفت قدرته الاستثمارية .
محاولات إصلاح جادّة
لكن هناك جهوداً جادة للإصلاح، أشار إليها المعنيون في المؤسسة..
فقد صدر المرسوم التشريعي رقم 29 لعام 2026، الذي يمنح إعفاءً من الفوائد والغرامات المتراكمة على أصحاب العمل المتعثرين، بشرط تسديد أصل الاشتراكات المتأخرة خلال عام. تهدف هذه الخطوة إلى تحويل "ديون ميتة" غير قابلة للتحصيل إلى سيولة حقيقية تدعم صندوق المؤسسة .
كما تتعاون المؤسسة مع منظمات دولية مثل منظمة العمل الدولية (ILO) والبنك الدولي، حيث تعمل على إعداد دراسات اكتوارية لتقييم الوضع المالي على المدى الطويل، وتقديم الدعم الفني لتعديل القوانين وضمان "استدامة مالية وإدارية" للنظام . كما تشكلت لجنة خاصة لصياغة مشروع قانون جديد للتأمينات الاجتماعية .
تبديد القلق
يمكن القول إن مؤسسة التأمينات الاجتماعية تمر بفترة حرجة بالفعل. زيادة عدد المتقاعدين، إلى جانب تراكم الديون وانخفاض الإيرادات، جعل النظام التأميني في حالة "قلق حقيقي" . لكن الحكومة تبدو واعية لهذه التحديات وتسعى، عبر سلسلة من الإصلاحات المالية والتشريعية، إلى إنقاذ النظام وضمان استمراريته كركن أساسي للحماية الاجتماعية . تبقى النتائج الفعلية لهذه الإصلاحات مرهونة بمدى نجاحها في تحقيق توازن مالي مستدام وضبط التضخم.
انعكاسات إيجابية
وبغض النظر عن نسبة الزيادة مقارنة مع الزيادة التي حصل عليها القائمون على رأس عملهم.. فإن الزيادة على معاشات التقاعد، برأي خبراء اقتصاد تحدثوا لـ " العين السورية" لدى صدور مرسوم الزيادة، من شأنها تحسين القدرة الشرائية، إذ تهدف الزيادة إلى تخفيف الضغوط المعيشية على المتقاعدين، ومساعدتهم على تغطية جزء من احتياجاتهم اليومية في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع .والخدمات الأساسية . وهي خطوة تعكس جدية الحكومة في معالجة مستويات المعيشة .
ثم دعم الفئات الأكثر احتياجاً، فرفع الحد الأدنى للمعاش إلى مستوى الحد الأدنى للأجور هو خطوة حاسمة، حيث يستفيد منها بشكل كبير المتقاعدون القدامى أو منخفضو الدخل الذين قد تصل الزيادة في معاشهم إلى نسب أكبر بكثير من 30% . وهذا يعطي رمزية إنسانية واجتماعية، خاصة مع تزامن القرار مع عيد الأضحى .
لكن يرى مراقبون ومتقاعدون أن الأثر الحقيقي للزيادة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على ضبط الأسعار واستقرار الأسواق، لمنع التضخم من التهام القيمة الحقيقية للزيادة . فالتحسن الفعلي في مستوى المعيشة يتطلب استقراراً اقتصادياً أكبر واستدامة للإصلاحات .
بقي أن نشير إلى أنه وبناءً على المعلومات المتوفرة، بلغ عدد المتقاعدين والمستحقين عنهم في سوريا في شهر حزيران 2025 حوالي 950,000 متقاعد ومستحق.. أي أن عدد المنتفعين من المعاشات التقاعدية يقترب من المليون شخص.


