سوريا - اقتصاد
يتفوق على النفط والسياحة.. كنز سوري برائحة الورد
أ
أحمد علي
نشر في: ٢٧ مايو ٢٠٢٦، ٠٨:٤١
3 دقيقة
0

عند الحديث عن وردة صغيرة يمكن أن تمنح سورية مورداً اقتصادياً يوازي ما تعطيه قطاعات كبرى، تبدو العبارة جذابة أكثر مما ينبغي، وفي ظاهرها مبالغة. وربما تكون كذلك إذا قورنت الزهرة مباشرة ببرميل النفط أو بموسم سياحي واسع. لكن هذا الحكم السريع لا يكفي، فالعبارة، مهما بدت حادة، تفتح سؤالاً أعمق عن طريقة نظرنا إلى الموارد السورية، وعن الفارق بين أن نملك مادة خاماً، وأن نملك صناعة كاملة حولها.
ثلاثة مقومات
ميزات مطلقة
النفط الوردي؟
يطرح بعض الاقتصاديين في سوريا فكرة أن الاقتصاد السوري لا ينبغي أن يبقى أسيراً للميزات النسبية وحدها. والميزة النسبية، وفق هذا الطرح، هي مورد تمتلكه سورية وتمتلكه دول كثيرة أيضاً. النفط، الغاز، القمح، القطن والذرة أمثلة واضحة. وجود هذه الموارد مهم، لكنه لا يمنح البلد قدرة كبيرة على التحكم بالسعر أو بالسوق، خصوصاً إذا بقيت المادة في شكلها الخام أو نصف المصنع.
في المقابل، يتحدث هؤلاء عن ميزات مطلقة أو شبه مطلقة. أي موارد ذات خصوصية عالية، ترتبط بالبيئة أو المنشأ أو المعرفة المتراكمة، ويمكن أن تعطي عائدية أعلى إذا تحولت إلى منتج نهائي. في هذا السياق تذكر الوردة الشامية، وغنم العواس، وبعض النباتات الطبية، وحجر البازلت، والحجر الأبيض الحلبي، وغيرها من الأمثلة.
استثمار القيمة
ينطبق ذلك على الوردة الشامية، فاسمها وحده لا يصنع قطاعاً، والحقول وحدها لا تكفي، وحتى الزيت الخام لا يكفي إذا خرج من البلد ليعود جزءاً من عطر أو مستحضر أجنبي بسعر أعلى بكثير. القيمة الفعلية تبدأ عندما تنتظم السلسلة كاملة: شتول محسنة، زراعة مضبوطة، قطاف في الوقت الصحيح، تقطير سريع، مخابر جودة، تعبئة، علامة منشأ، عقود تصدير، ومنتجات نهائية في العطور والتجميل والغذاء والطب التقليدي.
رصيد نادي ومعنوي
منافسة
بهذا المعنى، عبارة "النفط الوردي" تصلح كعنوان لسؤال، لا كخلاصة، وهي تدفعنا إلى اختبار الفرق بين مورد موجود فعلاً وبين قطاع اقتصادي قادر على توليد دخل واسع.
الحساب يبدأ من الحقل
تكشف الأرقام السورية المتاحة حجم الفجوة بين الإمكان والواقع. في عام 2016، نقلت وكالة سانا عن مدير عام هيئة تنمية وترويج الصادرات أن إنتاج سورية من الوردة الشامية عام 2013 بلغ نحو ألف طن سنوياً من مختلف المحافظات، وأن السوق المحلية كانت تستهلك نحو نصف المحصول. ووفق المصدر نفسه، يحتاج إنتاج كيلوغرام واحد من زيت الورد النقي إلى أربعة أطنان من الأزهار أو ثلاثة أطنان من البتلات، وكان سعر الكيلوغرام بين 12 و15 ألف دولار.

إذا عومل رقم الألف طن وفق قاعدة أربعة أطنان لكل كيلوغرام زيت، فنحن أمام نحو 250 كيلوغراماً من الزيت. وبالسعر المذكور حينها، تعادل هذه الكمية بين 3 و3.75 ملايين دولار. هذا رقم مهم بالنسبة إلى محصول محلي وأسر ريفية ومشاريع صغيرة، لكنه لا يغير اقتصاد بلد بأكمله إلا إذا أصبح النهج الاقتصادي السوري عموماً يعتمد على الميزات المطلقة وجرى توظيف كل ما يميّز سوريا عن غيرها بهذه العملية.
الأرقام الأحدث تجعل الصورة أكثر وضوحاً. في أيار 2026، نقلت سانا عن مدير زراعة دمشق وريفها أن المساحة المزروعة بالوردة الشامية في محافظة ريف دمشق تبلغ 318.5 هكتاراً، وأن الإنتاج المقدر يبلغ نحو 69 طناً. إذا طبقنا عليها القاعدة ذاتها، فإن هذه الكمية تعطي نظرياً أكثر بقليل من 17 كيلوغراماً من الزيت. حتى عند سعر 12 إلى 15 ألف دولار للكيلوغرام، فإن القيمة المباشرة للزيت الخام تبقى في حدود مئات آلاف الدولارات، لا أكثر.
وهذا ليس تقليلاً من شأن المحصول، بالعكس، هو وضعه في مكانه الصحيح، فالوردة الشامية اليوم ليست قطاعاً وطنياً واسعاً، بل نواة قطاع، وهناك فرق كبير بين الأمرين.
بحث علمي
إذا أخذنا معيار Biolandes التقريبي، أي كيلوغرام زيت لكل هكتار، فإن هذه المساحة تعطي في الحساب النظري نحو 21.3 طناً من زيت الورد سنوياً. وإذا استخدمنا أسعار تصدير بلغارية منشورة بين 9 آلاف و16 ألف دولار للكيلوغرام، فنحن أمام قيمة زيت خام تقارب 192 إلى 342 مليون دولار سنوياً. الرقم كبير بما يكفي ليؤخذ على محمل الجد، لكنه يبقى مشروطاً. فليس كل هكتار صالحاً بالدرجة نفسها، وليس كل إنتاج قابلاً للتقطير بالجودة نفسها، وليس السوق مفتوحاً بلا حدود لأي كمية جديدة.
كقارنة مع بلغاريا
في عام 2024، أعلنت إذاعة بلغاريا أن البلاد أنتجت 10,335 طناً من الورد، بزيادة تقارب ألف طن عن العام السابق، وأن فيها قرابة ثلاثة آلاف منتج مسجل و53 مقطرة بطاقة معالجة سنوية تفوق 15 ألف طن من الورد. كما أورد المصدر أن أسعار تصدير زيت الورد تراوحت بين 9 آلاف و16 ألف دولار للكيلوغرام، بحسب ما إذا كان الزيت تقليدياً أو عضوياً.
وهذه ليست قصة زهرة فقط، إنها قصة تنظيم قطاع. بلغاريا لا تربح من اسم الورد وحده، بل من المنتجين المسجلين، والمقطرات، والقانون، والخبرة، وربط المنشأ بالسوق. وتركيا تملك تجربة مشابهة في إسبارطة. والمغرب حاضر أيضاً. لذلك فإن سؤال سورية لا يتعلق بقدرتها النباتية فقط، بل بقدرتها على بناء سلسلة إنتاج موثوقة.
بين الورد والنفط والسياحة
إلى هنا، فالنتيجة الأولية واضحة فيما نعتقد. فالقول إن الوردة الشامية، بصيغتها الحالية، يمكن أن تعطي سورية أكثر من النفط والسياحة، قول لا تثبته الأرقام. أما القول إن الوردة يمكن أن تكون مدخلاً إلى قطاع عالي القيمة إذا تحولت من محصول تراثي إلى سلسلة تصنيع وتسويق، فهو قول جدي ويستحق البحث، والفرق بين الصيغتين كبير، فالأولى شعار والثانية خطة.


