سوريا - ثقافة
مسلسل "يوم وشوي".. من القتل وعذابات السوريين
س
سمر شمه
نشر في: ٢٦ مايو ٢٠٢٦، ١٠:٠٩
3 دقيقة
2

حقق المسلسل الدرامي السوري "يوم وشوي" إنجازاً دولياً بعد فوزه بجائزة "تيلي أووردز" العالمية المرموقة التي تُمنح سنوياً في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعتبر من أبرز الجوائز المتخصصة في تكريم الأعمال التلفزيونية والرقمية، والإنتاجات الإبداعية والأفلام الوثائقية والإعلانات حول العالم، وتركّز على جودة الإنتاج والإبداع الفني في صناعة الفيديو والمحتوى البصري، بمشاركة مؤسسات إعلامية وشركات إنتاج من مختلف البلدان.
يتألف العمل من خمس حلقات تعالج بأسلوب مكثف أحداث الثورة السورية وما خلفته من تحولات اجتماعية وإنسانية مؤثرة.وجرائم وانتهاكات النظام البائد. تجربة درامية تنتمي إلى جيل الشباب الذي يسعى إلى تطوير الدراما السورية عبر أعمال قصيرة تركز على الأفكار والمعالجة البصرية الإنسانية الناضجة، بعيداً عن الإنتاج الضخم والاعتماد التقليدي على عدد كبير من نجوم الدراما والحلقات الممتدة الطويلة.
اعتمد على ورشة كتابة جماعية في خطوة تهدف إلى تقديم نص متماسك مرن ولغة إخراجية سينمائية، مع الاهتمام بالتفاصيل اليومية للشخصيات والهوية البصرية للمكان. تأليف وإخراج: يمان عنتبلي، بطولةعدد من النجوم المخضرمين والفنانين الشباب ومنهم: يارا صبري- جمال العلي- حنان شقير- فرح الدبيات- تيم حنّاوي والطفلين جميل مرعي وجاد الرجولة، وهو من إنتاج: العربي بلس.
تدور أحداثه حول عائلة سورية متوسطة الحال تواجه سلسلة من التحديات بين الاعتقال والهجرة والفقر والقمع، وذلك بعد قيام الثورة السورية، قبل أن تبلغ الحكاية ذروتها بسقوط النظام المجرم، وعودة الأمل إلى أفراد الأسرة بعد سنوات طويلة من العذاب واليأس وفقدان الأمل بالخلاص. قصة هذه العائلة معجونة بالفقد والخوف و القهر كباقي السوريين الذين آثروا البقاء في بلدهم، والذين هاجروا منه، وتتقاطع مساراتها مع لحظة تاريخية فاصلة انتظرها السوريون لعقود رغم وصولهم إلى طريق مسدود، وهذا ما أعاد رسم مصائرهم ضمن سرديات متعددة. يحمل العنوان "يوم وشوي" دلالة رمزية إذ يشير اليوم إلى سنوات الألم والذل والاستبداد الذي عاشه السوريون في فترة حكم عائلة الأسد المظلمة، بينما يرمز "شوي" إلى اللحظات المتسارعة والمفاجأة التي غيّرت مستقبل البلاد وأهلها وأعادتهم إلى حلم الحرية والعيش بكرامة، بعد هروب الطاغية المخزي والسقوط المدوي لنظام شمولي وأجهزة أمن متوحشة وجيش هدفه حماية الحاكم، وسقوط مقولة "إلى الأبد" بعد أربعة عشر عاماً من الثورة والتضحيات الكبيرة.
يروي المسلسل أحداثاً من حياة السوريين اليومية بعد انطلاق الثورة السورية، وفيه نتابع مع العائلة اقتحام أجهزة الأمن للمنازل والحارات و البحث عن مطلوبين بالتهديد والوعيد والسلاح، واختباء أحد الشباب عند جيرانه خوفاً من مداهمة المخابرات لمنزله واعتقاله لأنه مطلوب إلى الخدمة الإلزامية التي تعني المشاركة في تدمير بلده وقتل أخوته وأهله وجيرانه وأقاربه. ونتابع أيضاً الأساليب الاستفزازية والانتهاكات التي يقوم بها جنود النظام وشبيحته على الحواجز، حيث يبتزون الناس ويسرقونهم ويعتقلون الكثيرين بلا أي مبرر أو تهمة واضحة، ويطّلعون بقوة السلاح على خصوصيات النساء من خلال البحث في هواتفهن الجوّالة، واستغلال ما فيها من صور وذكريات لابتزازهن وإهانتهن. إضافة إلى مشاهد الدمار والأحياء التي تحولت إلى أطلال، والذل الذي يرافق المواطن كل لحظة دون احترام لسنه وشيخوخته أو وضعه الصحي.
في هذا العمل نتابع صوراً سينمائية متقنة ومشاهد ترصد وجوه الناس وعيونهم وحركة أجسادهم التي تعبر عن الانكسار والرعب والإصرار على البقاء والتحدي في الوقت نفسه، والبرد والصقيع الذي يلّف الشوارع والأمكنة، وبدايات الربيع وشقائق النعمان في الأراضي الزراعية المُهملة، والطيور في الجامع الأموي، وانتظار أخبار المعتقلين وقصص أمهات الشهداء، واستشهاد الصغار والكبار وذكريات مُرّة نعرفها جميعاً.
فتح العمل جرحاً ما زال ينزف عند غالبية السوريين، وقدم رؤية جديدة وعميقة للشاشة الصغيرة، مستنداً إلى عين سينمائية مُبتكِرة ومبهرة، وقدم شخصيات من لحم ودم عاشت بيننا في كل مكان: الأم (يارا صبري) القوية الصابرة التي تحاول حماية عائلتها وجيرانها بهدوء وحكمة وشجاعة نادرة. والأب (جمال العلي) الذي يسعى ليلاً نهاراً للعمل كسائق تكسي من أجل إعالة عائلته وأحفاده بعد أن أفقده النظام شجاعته وملامحه وقوته. والابنة (فرح الدبيات) التي ترعى أولادها وتواجه ضغوطات نفسية كبيرة وتهديدات وابتزاز. والابن الشاب (تيم حناوي) الذي اعتُقل عدة مرات ثم سافر بحثاً عن الأمان وعاش هموم الغربة والتهجير وأخذنا مع مجموعة من الممثلين إلى بلدان اللجوء والآلام والمستقبل المجهول. والطفلان جاد وجميل اللذين أديا بنجاح مشاهد مركبة صعبة، وجسدا البراءة والتساؤلات والرعب الذي عاشه أطفال سوريا على مدى سنوات طويلة.
تميز العمل الدرامي ببنية سردية مكثفة، وكان قريباً من السينما، ركز على التفاصيل اليومية للحياة من انقطاع للكهرباء وشُح للوقود وضرب وإهانة على يد قوات النظام، وتهجير واغتراب. قدم تجربة تقوم على الرمزية والبناء الهادئ للأحداث والحوارات الخالية من الشعارات المباشرة، والأداء المُتقن والمؤثر لغالبية الممثلين المشاركين فيه. وعلى الموسيقا التصويرية التي كانت ترافق بكل عُمق أدق المشاعر والأحاسيس.
استخدم المخرج فيه أساليب كلاسيكية وجديدة، وظهر بوضوح تأثره بالسينما الأوربية والإيرانية الجادة التي تحمل فكرة وقضية. وقد أكد في تصريحاته أن هذا التتويج يمثل انتصاراً لفريق العمل الذي آمن بالمشروع رغم ما واجهه من تحديات وقال: "إن حصد الجائزة يُشكل خطوة جديدة نحو تقديم صيغة مختلفة من الدراما السورية عبر أعمال قصيرة".
أعادنا العمل إلى أيام الثورة بانتصاراتها وآلامها وانكساراتها، وإلى الفجائع التي تعرض لها السوريون، لكنه انتهى في مشهد لمذيع حقيقي على الشاشة الصغيرة أذاع الخبر العظيم "هروب بشار الأسد" الذي كان الجميع يظنه مستحيلاً، بينما أغنية العمل تردد: "انكسر الحديد. اخشعي يا بواب. صبرنا وصابرنا. الحق محتوم. جبر الخواطر إجباري. والذل ما هو إِلنا".


