سوريا - اقتصاد
الأبنية تُشيَّد.. فلماذا يبتعد حلم التملك في القامشلي؟
أسعار العقارات في القامشلي.. ارتفاع يصل إلى 50% ومخاطر الشراء على المخطط
م
مجد السالم
نشر في: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:١٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - القامشلي
في كل يوم تقريباً، يمسك عدنان الحميد هاتفه ويكتب في خانة البحث على «فيسبوك»: «شقق للبيع بأسعار مناسبة». يتنقل بين عشرات الصفحات المتخصصة بسوق العقارات في القامشلي، يقارن الأسعار ويبحث عن فرصة تناسب ما يملكه، قبل أن ينتهي غالباً إلى النتيجة نفسها: المنزل الذي يبحث عنه لا يزال بعيد المنال.
«الأسعار مرتفعة، وامتلاك منزل العمر كان ولا يزال حلماً»، بهذه العبارة يختصر عدنان، وهو أب لثلاثة أطفال، رحلة بحث مستمرة منذ أشهر عن شقة تناسب ميزانيته وتنهي، كما يقول، «مأساة الإيجار المرتفع».
ويقول عدنان لـ«العين السورية» إن إيجار المنزل الذي يقيم فيه مع عائلته وصل إلى نحو 150 دولاراً شهرياً، بينما لا يتجاوز راتبه من عمله في شركة نقل خاصة نحو 130 دولاراً، ما دفعه إلى التفكير في شراء منزل بدلاً من الاستمرار في الإيجار.
لكن ارتفاع أسعار العقارات وضعه أمام معادلة أكثر صعوبة؛ فميزانيته لم تعد كافية لشراء منزل، فيما بدأت مدخراته بالتناقص لتغطية تكاليف الإيجار.
قصة عدنان ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً يواجه مئات العائلات في القامشلي، وربما آلافاً على مستوى محافظة الحسكة، ممن يبحثون عن منزل ينهي سنوات الإيجار وتقلب أسعاره، في وقت يشهد فيه سوق العقارات ارتفاعات كبيرة بالتزامن مع زيادة تكاليف البناء.
ارتفاعات تصل إلى 50%
جالت «العين السورية» على عدد من المكاتب العقارية في القامشلي لرصد حركة السوق والأسعار المتداولة.
ويقول عامر العلي، صاحب مكتب عقاري، إن أسعار العقارات بمختلف أنواعها ارتفعت مقارنة بالعامين الماضيين بنسب تتراوح بين 35 و50%، بحسب نوع العقار وموقعه، وهو ما انعكس سلباً على حركة البيع والشراء.
ويضيف: «العديد من الزبائن يدخلون المكتب يومياً ويسألون عن الأسعار، ثم لا يعودون»، مشيراً إلى أن نسبة محدودة منهم تصل في النهاية إلى الشراء، وبعد مفاوضات طويلة حول السعر.
وبحسب العلي، كانت شقة بمساحة 125 متراً مربعاً في الطابق الرابع، مبيعة على «العظم»، أي من دون طينة وإكساء وتمديدات صحية وكهربائية، تُباع بنحو 13.5 ألف دولار، بينما وصل سعرها حالياً إلى نحو 20 ألف دولار.
أما الشقة بالطابق الأرضي، فيبلغ سعرها نحو 30 ألف دولار على العظم، فيما يرتفع سعر الشقة الجاهزة بنحو 10 آلاف دولار إضافية، وقد تزيد الفروقات في بعض المواقع.
وعلمت «العين السورية» من مكاتب عقارية أخرى أن الارتفاع تجاوز 50% في بعض الأحياء التي تُعد مرتفعة الأسعار في القامشلي، مثل حيي الموظفين والوسطى، حيث تجاوز سعر بعض الشقق 100 ألف دولار.
مواد البناء ترفع الكلفة
لا ترتبط موجة الغلاء بسوق البيع وحده، إذ يرى متعهدون أن ارتفاع أسعار العقارات في القامشلي يعود بدرجة كبيرة إلى زيادة تكاليف البناء، ولا سيما أسعار الحديد والإسمنت والرمل والبلوك، إلى جانب أجور اليد العاملة.
وفي ظل غياب نشرة أسعار رسمية لمواد البناء في المدينة والمحافظة، تواصلت «العين السورية» مع عدد من الموردين والمتعهدين لرصد الأسعار المتداولة في السوق.
ويقول سليمان الحمزة، صاحب معمل بلوك ومورّد لمواد البناء في القامشلي، إن سعر طن الإسمنت بلغ نحو 140 دولاراً، فيما وصل طن الحديد إلى نحو 875 دولاراً.
ويبلغ سعر المتر المكعب من الرمل الأحمر نحو 35 دولاراً، مقابل 40 دولاراً للمتر المكعب من «رمل دجلة»، بينما تُباع بلوكة البناء الواحدة بنحو 0.77 دولار.
بدوره، يقول متعهد البناء عامر الحاج إن أسعار بعض مواد البناء ارتفعت بنسب تتراوح بين 20 و35% مقارنة بالعام الماضي، فيما وصلت الزيادة في بعضها إلى 100%، ومن بينها «رمل دجلة» والبلوك بقياس 15 سنتيمتراً.
ويضيف الحاج أن تكلفة رخصة البناء وصلت إلى نحو 10 آلاف دولار، معتبراً أن ارتفاع أسعار المواد وأجور اليد العاملة وتكاليف الترخيص انعكس بصورة مباشرة على أسعار العقارات.
الشراء على المخطط.. بديل أقل كلفة
أمام الأسعار المرتفعة للشقق الجاهزة، وجد باسم محمد، من سكان القامشلي، في «الشراء على المخطط» خياراً أقرب إلى قدرته المالية.
ويقوم هذا النموذج على شراء الشقة من المتعهد قبل إنجاز البناء، وأحياناً قبل البدء بتنفيذه، مقابل سعر يقل عادة عن العقار الجاهز، مع إمكانية تسديد المبلغ على دفعات بالتوازي مع تقدم أعمال البناء، وقرر باسم دفع 10 آلاف دولار دفعة أولى لشراء شقة بهذه الطريقة.
ويقول لـ«العين السورية» إن الشراء على المخطط مناسب له في الظروف الحالية، إذ يقل سعر الشقة، بحسب تجربته، بنحو 20% عن الشقق الجاهزة، إضافة إلى إمكانية «تسديد ثمن الشقة بالتقسيط كلما تقدم البناء»، لكن انخفاض السعر يقابله عامل آخر لا يقل أهمية: ضمان الحقوق.
سعر أقل.. ومخاطر أكبر
يقول باسم وعدد من السكان الذين تحدثت إليهم «العين السورية» إن اللجوء إلى الشراء على المخطط يتطلب معرفة المتعهد والثقة به، في ظل مخاوف من عمليات احتيال شهدتها السوق سابقاً، كان بعض المتعهدين خلالها يجمعون أقساط المشتركين ثم يختفون، أو تتوقف مشاريع البناء بسبب ضعف التمويل.
وتزداد المخاوف، بحسب السكان، مع صعوبة تثبيت الحقوق العقارية رسمياً نتيجة توقف عمل المحاكم الرسمية في المنطقة منذ سقوط النظام.
ويوضح المحامي أنور طحيطح، من الحسكة، لـ«العين السورية» أن «أغلب عقود بيع وشراء العقارات تُنجز حالياً في مكاتب المحامين» نتيجة توقف عمل المحاكم الرسمية.
ويشير إلى أن هذه العقود تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة بين أطرافها، في انتظار استئناف عمل المحاكم الرسمية لتثبيت العقود ونقل ملكيات العقارات بصورة قانونية.
ويضيف طحيطح أن بعض الشركات العقارية تقدم عروضاً للبيع على المخطط، أو حتى بعد إنجاز البناء، بدفعات أولى تبدأ من 5 آلاف دولار، مع إمكانية التقسيط لمدة تصل إلى خمس سنوات.
لكن هذه الخيارات، بحسب طحيطح، تبقى محفوفة بالمخاطر في ظل غياب المحاكم والمؤسسات الرسمية المعنية بتثبيت الملكية وحفظ حقوق المشترين.
بين الإيجار وبيت العمر
وسط هذه المعادلة، يجد كثير من السكان أنفسهم بين خيارين صعبين: الاستمرار في دفع إيجارات مرتفعة تستنزف دخلهم ومدخراتهم، أو الدخول في سوق شراء أصبحت أسعاره أبعد عن إمكاناتهم، بينما يحمل البديل الأقل كلفة، المتمثل بالشراء على المخطط، مخاطر قانونية ومالية إضافية.. أما عدنان، فما يزال يبحث.
يقول إن من أمضى حياته مستأجراً، يتنقل مع عائلته من منزل إلى آخر ومن حي إلى آخر، يشعر أحياناً «وكأنه غريب في بلده»، فيما سيكون امتلاك منزل بالنسبة إليه أشبه بـ«ولادة جديدة».
وحين يعود مساءً إلى عائلته، يرى في شوارع القامشلي أبنية متعددة الطوابق قيد الإنشاء، لكن المفارقة بالنسبة إليه تبقى واحدة: كلما ارتفعت الأبنية، ارتفعت معها الأسعار، فيما يظل بيت العمر الذي يبحث عنه بعيداً.
«الأسعار مرتفعة، وامتلاك منزل العمر كان ولا يزال حلماً»، بهذه العبارة يختصر عدنان، وهو أب لثلاثة أطفال، رحلة بحث مستمرة منذ أشهر عن شقة تناسب ميزانيته وتنهي، كما يقول، «مأساة الإيجار المرتفع».
ويقول عدنان لـ«العين السورية» إن إيجار المنزل الذي يقيم فيه مع عائلته وصل إلى نحو 150 دولاراً شهرياً، بينما لا يتجاوز راتبه من عمله في شركة نقل خاصة نحو 130 دولاراً، ما دفعه إلى التفكير في شراء منزل بدلاً من الاستمرار في الإيجار.
لكن ارتفاع أسعار العقارات وضعه أمام معادلة أكثر صعوبة؛ فميزانيته لم تعد كافية لشراء منزل، فيما بدأت مدخراته بالتناقص لتغطية تكاليف الإيجار.
قصة عدنان ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً يواجه مئات العائلات في القامشلي، وربما آلافاً على مستوى محافظة الحسكة، ممن يبحثون عن منزل ينهي سنوات الإيجار وتقلب أسعاره، في وقت يشهد فيه سوق العقارات ارتفاعات كبيرة بالتزامن مع زيادة تكاليف البناء.
ارتفاعات تصل إلى 50%
جالت «العين السورية» على عدد من المكاتب العقارية في القامشلي لرصد حركة السوق والأسعار المتداولة.
ويقول عامر العلي، صاحب مكتب عقاري، إن أسعار العقارات بمختلف أنواعها ارتفعت مقارنة بالعامين الماضيين بنسب تتراوح بين 35 و50%، بحسب نوع العقار وموقعه، وهو ما انعكس سلباً على حركة البيع والشراء.
ويضيف: «العديد من الزبائن يدخلون المكتب يومياً ويسألون عن الأسعار، ثم لا يعودون»، مشيراً إلى أن نسبة محدودة منهم تصل في النهاية إلى الشراء، وبعد مفاوضات طويلة حول السعر.
وبحسب العلي، كانت شقة بمساحة 125 متراً مربعاً في الطابق الرابع، مبيعة على «العظم»، أي من دون طينة وإكساء وتمديدات صحية وكهربائية، تُباع بنحو 13.5 ألف دولار، بينما وصل سعرها حالياً إلى نحو 20 ألف دولار.
أما الشقة بالطابق الأرضي، فيبلغ سعرها نحو 30 ألف دولار على العظم، فيما يرتفع سعر الشقة الجاهزة بنحو 10 آلاف دولار إضافية، وقد تزيد الفروقات في بعض المواقع.
وعلمت «العين السورية» من مكاتب عقارية أخرى أن الارتفاع تجاوز 50% في بعض الأحياء التي تُعد مرتفعة الأسعار في القامشلي، مثل حيي الموظفين والوسطى، حيث تجاوز سعر بعض الشقق 100 ألف دولار.
مواد البناء ترفع الكلفة
لا ترتبط موجة الغلاء بسوق البيع وحده، إذ يرى متعهدون أن ارتفاع أسعار العقارات في القامشلي يعود بدرجة كبيرة إلى زيادة تكاليف البناء، ولا سيما أسعار الحديد والإسمنت والرمل والبلوك، إلى جانب أجور اليد العاملة.
وفي ظل غياب نشرة أسعار رسمية لمواد البناء في المدينة والمحافظة، تواصلت «العين السورية» مع عدد من الموردين والمتعهدين لرصد الأسعار المتداولة في السوق.
ويقول سليمان الحمزة، صاحب معمل بلوك ومورّد لمواد البناء في القامشلي، إن سعر طن الإسمنت بلغ نحو 140 دولاراً، فيما وصل طن الحديد إلى نحو 875 دولاراً.
ويبلغ سعر المتر المكعب من الرمل الأحمر نحو 35 دولاراً، مقابل 40 دولاراً للمتر المكعب من «رمل دجلة»، بينما تُباع بلوكة البناء الواحدة بنحو 0.77 دولار.
بدوره، يقول متعهد البناء عامر الحاج إن أسعار بعض مواد البناء ارتفعت بنسب تتراوح بين 20 و35% مقارنة بالعام الماضي، فيما وصلت الزيادة في بعضها إلى 100%، ومن بينها «رمل دجلة» والبلوك بقياس 15 سنتيمتراً.
ويضيف الحاج أن تكلفة رخصة البناء وصلت إلى نحو 10 آلاف دولار، معتبراً أن ارتفاع أسعار المواد وأجور اليد العاملة وتكاليف الترخيص انعكس بصورة مباشرة على أسعار العقارات.
الشراء على المخطط.. بديل أقل كلفة
أمام الأسعار المرتفعة للشقق الجاهزة، وجد باسم محمد، من سكان القامشلي، في «الشراء على المخطط» خياراً أقرب إلى قدرته المالية.
ويقوم هذا النموذج على شراء الشقة من المتعهد قبل إنجاز البناء، وأحياناً قبل البدء بتنفيذه، مقابل سعر يقل عادة عن العقار الجاهز، مع إمكانية تسديد المبلغ على دفعات بالتوازي مع تقدم أعمال البناء، وقرر باسم دفع 10 آلاف دولار دفعة أولى لشراء شقة بهذه الطريقة.
ويقول لـ«العين السورية» إن الشراء على المخطط مناسب له في الظروف الحالية، إذ يقل سعر الشقة، بحسب تجربته، بنحو 20% عن الشقق الجاهزة، إضافة إلى إمكانية «تسديد ثمن الشقة بالتقسيط كلما تقدم البناء»، لكن انخفاض السعر يقابله عامل آخر لا يقل أهمية: ضمان الحقوق.
سعر أقل.. ومخاطر أكبر
يقول باسم وعدد من السكان الذين تحدثت إليهم «العين السورية» إن اللجوء إلى الشراء على المخطط يتطلب معرفة المتعهد والثقة به، في ظل مخاوف من عمليات احتيال شهدتها السوق سابقاً، كان بعض المتعهدين خلالها يجمعون أقساط المشتركين ثم يختفون، أو تتوقف مشاريع البناء بسبب ضعف التمويل.
وتزداد المخاوف، بحسب السكان، مع صعوبة تثبيت الحقوق العقارية رسمياً نتيجة توقف عمل المحاكم الرسمية في المنطقة منذ سقوط النظام.
ويوضح المحامي أنور طحيطح، من الحسكة، لـ«العين السورية» أن «أغلب عقود بيع وشراء العقارات تُنجز حالياً في مكاتب المحامين» نتيجة توقف عمل المحاكم الرسمية.
ويشير إلى أن هذه العقود تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة بين أطرافها، في انتظار استئناف عمل المحاكم الرسمية لتثبيت العقود ونقل ملكيات العقارات بصورة قانونية.
ويضيف طحيطح أن بعض الشركات العقارية تقدم عروضاً للبيع على المخطط، أو حتى بعد إنجاز البناء، بدفعات أولى تبدأ من 5 آلاف دولار، مع إمكانية التقسيط لمدة تصل إلى خمس سنوات.
لكن هذه الخيارات، بحسب طحيطح، تبقى محفوفة بالمخاطر في ظل غياب المحاكم والمؤسسات الرسمية المعنية بتثبيت الملكية وحفظ حقوق المشترين.
بين الإيجار وبيت العمر
وسط هذه المعادلة، يجد كثير من السكان أنفسهم بين خيارين صعبين: الاستمرار في دفع إيجارات مرتفعة تستنزف دخلهم ومدخراتهم، أو الدخول في سوق شراء أصبحت أسعاره أبعد عن إمكاناتهم، بينما يحمل البديل الأقل كلفة، المتمثل بالشراء على المخطط، مخاطر قانونية ومالية إضافية.. أما عدنان، فما يزال يبحث.
يقول إن من أمضى حياته مستأجراً، يتنقل مع عائلته من منزل إلى آخر ومن حي إلى آخر، يشعر أحياناً «وكأنه غريب في بلده»، فيما سيكون امتلاك منزل بالنسبة إليه أشبه بـ«ولادة جديدة».
وحين يعود مساءً إلى عائلته، يرى في شوارع القامشلي أبنية متعددة الطوابق قيد الإنشاء، لكن المفارقة بالنسبة إليه تبقى واحدة: كلما ارتفعت الأبنية، ارتفعت معها الأسعار، فيما يظل بيت العمر الذي يبحث عنه بعيداً.


