سوريا - سياسة
الشبكة السورية لحقوق الإنسان: سقوط الأسد لا يُسقط مسؤولية روسيا تجاه 6993 ضحية
التدخل الروسي في سوريا بعد 11 عاماً.. 6993 مدنياً ومطالب بالمساءلة وجبر الضرر
م
مازن محمد
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - دمشق
بالنسبة إلى آلاف العائلات السورية، لا تختصر سنوات التدخل العسكري الروسي بعدد الطلعات الجوية أو خرائط السيطرة التي تغيرت، بل بأسماء أشخاص غابوا، ومنازل دُمرت، ومدارس ومستشفيات وأسواق طالتها الهجمات. واليوم، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتغير المشهد السياسي في البلاد، يبقى السؤال بالنسبة إلى هؤلاء: ماذا عن حقوق الضحايا؟
بعد 11 عاماً على بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا، أعادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذا الملف إلى الواجهة، موثقة مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة على يد القوات الروسية، ومعتبرة أن سقوط النظام السابق لا ينهي المسؤولية القانونية عن الأفعال غير المشروعة دولياً المنسوبة إلى القوات الروسية، ولا حقوق المتضررين في الإنصاف وجبر الضرر.
وفي الذكرى الحادية عشرة لبدء التدخل في 30 أيلول/سبتمبر 2015، تطرح هذه الحصيلة ملفاً يتجاوز استعادة ما حدث خلال سنوات الحرب، إلى موقع حقوق الضحايا في أي علاقة مستقبلية بين دمشق وموسكو، وما إذا كانت التحولات السياسية قادرة على فتح صفحة جديدة من دون معالجة إرث السنوات السابقة.
6993 مدنياً خلال سنوات التدخل
بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 دعماً لقوات نظام بشار الأسد، واستمر حتى سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وبحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تسببت القوات الروسية خلال تلك الفترة في مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة.
وتشمل الحصيلة مقتل ما لا يقل عن 70 من الكوادر الطبية، بينهم 12 سيدة، و24 من الكوادر الإعلامية، إلى جانب ارتكاب ما لا يقل عن 363 مجزرة وفق تعريف الشبكة المعتمد للمجزرة.
كما وثقت الشبكة 1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 حادثة استهدفت مدارس، و217 طالت منشآت طبية، و61 استهدفت أسواقاً.
وتقول الشبكة إن إسناد الهجمات إلى القوات الروسية استند إلى منهجية اعتمدتها للتمييز بين عمليات الطيران الروسي وعمليات طيران النظام السابق.
التدخل سبقته سنوات من الدعم السياسي
لم يبدأ الدور الروسي في سوريا مع دخول الطائرات الحربية الروسية إلى العمليات العسكرية عام 2015، إذ سبق ذلك دعم سياسي قدمته موسكو لنظام الأسد داخل مجلس الأمن الدولي.
وبحسب الشبكة، استخدمت روسيا حق النقض «الفيتو» 18 مرة لمنع اعتماد مشاريع قرارات متعلقة بسوريا، بينها مشروع قرار في أيار/مايو 2014 كان يقضي بإحالة الحالة السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ومع بدء التدخل العسكري المباشر، دخل الدور الروسي مرحلة مختلفة. وخلال السنوات التالية، وثقت الشبكة هجمات أسفرت عن سقوط آلاف المدنيين وطالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقاً، إضافة إلى استخدام ذخائر عنقودية في بعض المناطق المأهولة.
فضل عبد الغني: حقوق العائلات لا تنتهي بسقوط الأسد
خلف الأرقام الكبيرة، يضع المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني العائلات السورية في قلب القضية، معتبراً أن تغير السلطة في دمشق لا يلغي ما ترتب على سنوات التدخل العسكري.
ويقول عبد الغني إن «سقوط نظام الأسد الذي تدخلت روسيا لحمايته لا ينهي مسؤوليتها عن الهجمات التي نفذتها قواتها».
ويشير إلى أن آلاف العائلات السورية ما تزال تنتظر الاعتراف بما لحق بها وجبر الضرر، مؤكداً أنه «لا يصح أن تُبنى العلاقة المقبلة بين سوريا وروسيا على تجاوز هذه الحقوق».
ويفتح موقف عبد الغني سؤالاً يتجاوز الجانب الحقوقي إلى شكل العلاقة السورية الروسية في المرحلة الجديدة: كيف يمكن لدمشق وموسكو إعادة صياغة علاقتهما في ظل وجود آلاف الضحايا والمتضررين الذين لم تُغلق ملفاتهم بعد؟
وترى الشبكة أن أي مسار مستقبلي للعلاقات بين سوريا وروسيا، وأي مشاركة روسية في جهود التعافي وإعادة الإعمار، ينبغي أن يرتبط بثلاثة مسارات رئيسية: الاعتراف بالمسؤولية، والتعاون مع آليات المساءلة، والمساهمة في جبر الضرر.
هجمات وصلت إلى لجنة التحقيق الدولية
ولا يقتصر ملف الانتهاكات على توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إذ سبق أن تناولت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا هجمات محددة نُسبت إلى الطيران الروسي.
ففي تقرير صدر في 28 كانون الثاني/يناير 2020، خلصت اللجنة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمشاركة طائرات روسية في هجومين بمحافظة إدلب عام 2019؛ الأول استهدف سوقاً في معرة النعمان في 22 تموز/يوليو، والثاني تجمعاً للنازحين قرب بلدة حاس في 16 آب/أغسطس.
وخلصت اللجنة، بحسب ما أوردته الشبكة، إلى أن الهجومين لم يوجها إلى هدف عسكري محدد، وأنهما يرقيان إلى جريمة الحرب المتمثلة في شن هجمات عشوائية في مناطق مدنية.
وترى الشبكة أن تكرار الهجمات التي طالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقاً، واستخدام الذخائر العنقودية في مناطق مأهولة، يثير أسئلة قانونية تتعلق بمدى احترام قواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات أثناء العمليات العسكرية.
جبر الضرر.. أكثر من تعويض مالي
في المرحلة الجديدة، لا تضع الشبكة المحاسبة الجنائية وحدها في صدارة مطالبها، بل تركز كذلك على مفهوم جبر الضرر بوصفه حقاً للضحايا والمتضررين.
ولا يقتصر جبر الضرر، وفق الطرح الحقوقي، على دفع تعويضات مالية، بل يشمل رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضي وضمانات عدم التكرار.
وتؤكد الشبكة أن انتهاء العمليات العسكرية وتغير السلطة في سوريا لا يلغي حقوق الضحايا، ولا يحول دون مساءلة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية المرتكبة.
وبهذا المعنى، تصبح القضية أكبر من إحصاء عدد الضحايا؛ إذ تمتد إلى الاعتراف بما وقع، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل ما تضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
بشار الأسد في روسيا.. ملف قانوني مفتوح
ويتقاطع ملف التدخل الروسي مع قضية أخرى تتعلق بوجود بشار الأسد على الأراضي الروسية، في ضوء اتفاقية مناهضة التعذيب التي تعد كل من سوريا وروسيا طرفاً فيها.
وتشير الشبكة إلى وجود معلومات موثقة وادعاءات علنية ومحددة تتعلق بأفعال تعذيب مرتبطة بالأسد، إلى جانب ما وثقته ولجنة التحقيق الدولية المستقلة من ممارسات تعذيب واسعة النطاق في مراكز احتجاز النظام السابق.
وترى أن وجود الأسد في روسيا يثير مسألة مدى امتثال موسكو لالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
وبحسب ما تمكنت الشبكة من التحقق منه عبر المصادر العلنية، لم تعلن السلطات الروسية إجراء تحقيق أولي في هذه الوقائع أو إحالة قضية الأسد إلى سلطاتها المختصة بقصد الملاحقة.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد قال، عندما سُئل عن المطالبات بمحاكمة الأسد في مقابلة نشرتها الخارجية الروسية في 29 كانون الثاني/يناير 2026، إن المسألة لم تُطرح منذ فترة طويلة، وإن روسيا أتاحت له اللجوء «لأسباب إنسانية بحتة».
ماذا يُطلب من موسكو؟
تطالب الشبكة الحكومة الروسية بالاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دولياً المنسوبة إلى قواتها خلال تدخلها العسكري في سوريا، إلى جانب حفظ سجلات الطلعات الجوية والاستهداف المتعلقة بالهجمات التي أوقعت ضحايا مدنيين، وإتاحتها للجهات التحقيقية والقضائية المختصة.
كما تدعو موسكو إلى التعاون مع الآليات الدولية والجهات الوطنية السورية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية، وإنشاء آليات فعالة لجبر الأضرار البشرية والمادية والمعنوية بمشاركة ممثلي الضحايا.
وتشمل المطالب كذلك المساهمة في إعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية التي يثبت تضررها نتيجة أفعال غير مشروعة دولياً منسوبة إلى القوات الروسية.
حقوق الضحايا في العلاقة مع موسكو
وعلى الجانب السوري، تدعو الشبكة الحكومة إلى ضمان ألا تنتقص أي تسوية مستقبلية مع روسيا من الحقوق الفردية للضحايا في الانتصاف وجبر الضرر، وإشراك ممثليهم في تصميم أي آلية لمعالجة آثار الانتهاكات.
كما تطالب بتوسيع ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ضمن إطارها التشريعي، لتشمل الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأجنبية التي دعمت النظام السابق، ومنها القوات الروسية.
وتدعو أيضاً إلى مطالبة موسكو رسمياً بالوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الضحايا السوريين، بما يشمل جبر الضرر والتعاون القضائي، إلى جانب حفظ الأدلة والتعاون مع آليات التحقيق الدولية.
كما تطالب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بمواصلة جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنسوبة إلى جميع الأطراف، ودعم برامج جبر الضرر التي تشمل الضحايا، ووضع حقوقهم وكشف الحقيقة وضمانات عدم التكرار في صدارة مسار العدالة الانتقالية.
بين السياسة وحقوق الضحايا
بعد 11 عاماً على بدء التدخل الروسي، تغيرت سوريا التي دخلتها القوات الروسية عام 2015؛ سقط نظام بشار الأسد، وتبدلت السلطة، وانتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية مختلفة.
لكن التحولات الكبرى لا تمحو بالضرورة آثار ما سبقها.
وهنا تبدو القضية أمام اختبار يتجاوز السياسة الخارجية إلى مفهوم العدالة نفسه: هل تستطيع سوريا بناء علاقة جديدة مع روسيا، من دون أن تتحول حقوق ضحايا المرحلة السابقة إلى بند مؤجل؟
بعد 11 عاماً على بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا، أعادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذا الملف إلى الواجهة، موثقة مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة على يد القوات الروسية، ومعتبرة أن سقوط النظام السابق لا ينهي المسؤولية القانونية عن الأفعال غير المشروعة دولياً المنسوبة إلى القوات الروسية، ولا حقوق المتضررين في الإنصاف وجبر الضرر.
وفي الذكرى الحادية عشرة لبدء التدخل في 30 أيلول/سبتمبر 2015، تطرح هذه الحصيلة ملفاً يتجاوز استعادة ما حدث خلال سنوات الحرب، إلى موقع حقوق الضحايا في أي علاقة مستقبلية بين دمشق وموسكو، وما إذا كانت التحولات السياسية قادرة على فتح صفحة جديدة من دون معالجة إرث السنوات السابقة.
6993 مدنياً خلال سنوات التدخل
بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 دعماً لقوات نظام بشار الأسد، واستمر حتى سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وبحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تسببت القوات الروسية خلال تلك الفترة في مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة.
وتشمل الحصيلة مقتل ما لا يقل عن 70 من الكوادر الطبية، بينهم 12 سيدة، و24 من الكوادر الإعلامية، إلى جانب ارتكاب ما لا يقل عن 363 مجزرة وفق تعريف الشبكة المعتمد للمجزرة.
كما وثقت الشبكة 1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 حادثة استهدفت مدارس، و217 طالت منشآت طبية، و61 استهدفت أسواقاً.
وتقول الشبكة إن إسناد الهجمات إلى القوات الروسية استند إلى منهجية اعتمدتها للتمييز بين عمليات الطيران الروسي وعمليات طيران النظام السابق.
التدخل سبقته سنوات من الدعم السياسي
لم يبدأ الدور الروسي في سوريا مع دخول الطائرات الحربية الروسية إلى العمليات العسكرية عام 2015، إذ سبق ذلك دعم سياسي قدمته موسكو لنظام الأسد داخل مجلس الأمن الدولي.
وبحسب الشبكة، استخدمت روسيا حق النقض «الفيتو» 18 مرة لمنع اعتماد مشاريع قرارات متعلقة بسوريا، بينها مشروع قرار في أيار/مايو 2014 كان يقضي بإحالة الحالة السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ومع بدء التدخل العسكري المباشر، دخل الدور الروسي مرحلة مختلفة. وخلال السنوات التالية، وثقت الشبكة هجمات أسفرت عن سقوط آلاف المدنيين وطالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقاً، إضافة إلى استخدام ذخائر عنقودية في بعض المناطق المأهولة.
فضل عبد الغني: حقوق العائلات لا تنتهي بسقوط الأسد
خلف الأرقام الكبيرة، يضع المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني العائلات السورية في قلب القضية، معتبراً أن تغير السلطة في دمشق لا يلغي ما ترتب على سنوات التدخل العسكري.
ويقول عبد الغني إن «سقوط نظام الأسد الذي تدخلت روسيا لحمايته لا ينهي مسؤوليتها عن الهجمات التي نفذتها قواتها».
ويشير إلى أن آلاف العائلات السورية ما تزال تنتظر الاعتراف بما لحق بها وجبر الضرر، مؤكداً أنه «لا يصح أن تُبنى العلاقة المقبلة بين سوريا وروسيا على تجاوز هذه الحقوق».
ويفتح موقف عبد الغني سؤالاً يتجاوز الجانب الحقوقي إلى شكل العلاقة السورية الروسية في المرحلة الجديدة: كيف يمكن لدمشق وموسكو إعادة صياغة علاقتهما في ظل وجود آلاف الضحايا والمتضررين الذين لم تُغلق ملفاتهم بعد؟
وترى الشبكة أن أي مسار مستقبلي للعلاقات بين سوريا وروسيا، وأي مشاركة روسية في جهود التعافي وإعادة الإعمار، ينبغي أن يرتبط بثلاثة مسارات رئيسية: الاعتراف بالمسؤولية، والتعاون مع آليات المساءلة، والمساهمة في جبر الضرر.
هجمات وصلت إلى لجنة التحقيق الدولية
ولا يقتصر ملف الانتهاكات على توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إذ سبق أن تناولت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا هجمات محددة نُسبت إلى الطيران الروسي.
ففي تقرير صدر في 28 كانون الثاني/يناير 2020، خلصت اللجنة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمشاركة طائرات روسية في هجومين بمحافظة إدلب عام 2019؛ الأول استهدف سوقاً في معرة النعمان في 22 تموز/يوليو، والثاني تجمعاً للنازحين قرب بلدة حاس في 16 آب/أغسطس.
وخلصت اللجنة، بحسب ما أوردته الشبكة، إلى أن الهجومين لم يوجها إلى هدف عسكري محدد، وأنهما يرقيان إلى جريمة الحرب المتمثلة في شن هجمات عشوائية في مناطق مدنية.
وترى الشبكة أن تكرار الهجمات التي طالت منشآت طبية وتعليمية وأسواقاً، واستخدام الذخائر العنقودية في مناطق مأهولة، يثير أسئلة قانونية تتعلق بمدى احترام قواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات أثناء العمليات العسكرية.
جبر الضرر.. أكثر من تعويض مالي
في المرحلة الجديدة، لا تضع الشبكة المحاسبة الجنائية وحدها في صدارة مطالبها، بل تركز كذلك على مفهوم جبر الضرر بوصفه حقاً للضحايا والمتضررين.
ولا يقتصر جبر الضرر، وفق الطرح الحقوقي، على دفع تعويضات مالية، بل يشمل رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضي وضمانات عدم التكرار.
وتؤكد الشبكة أن انتهاء العمليات العسكرية وتغير السلطة في سوريا لا يلغي حقوق الضحايا، ولا يحول دون مساءلة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية المرتكبة.
وبهذا المعنى، تصبح القضية أكبر من إحصاء عدد الضحايا؛ إذ تمتد إلى الاعتراف بما وقع، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل ما تضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
بشار الأسد في روسيا.. ملف قانوني مفتوح
ويتقاطع ملف التدخل الروسي مع قضية أخرى تتعلق بوجود بشار الأسد على الأراضي الروسية، في ضوء اتفاقية مناهضة التعذيب التي تعد كل من سوريا وروسيا طرفاً فيها.
وتشير الشبكة إلى وجود معلومات موثقة وادعاءات علنية ومحددة تتعلق بأفعال تعذيب مرتبطة بالأسد، إلى جانب ما وثقته ولجنة التحقيق الدولية المستقلة من ممارسات تعذيب واسعة النطاق في مراكز احتجاز النظام السابق.
وترى أن وجود الأسد في روسيا يثير مسألة مدى امتثال موسكو لالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
وبحسب ما تمكنت الشبكة من التحقق منه عبر المصادر العلنية، لم تعلن السلطات الروسية إجراء تحقيق أولي في هذه الوقائع أو إحالة قضية الأسد إلى سلطاتها المختصة بقصد الملاحقة.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد قال، عندما سُئل عن المطالبات بمحاكمة الأسد في مقابلة نشرتها الخارجية الروسية في 29 كانون الثاني/يناير 2026، إن المسألة لم تُطرح منذ فترة طويلة، وإن روسيا أتاحت له اللجوء «لأسباب إنسانية بحتة».
ماذا يُطلب من موسكو؟
تطالب الشبكة الحكومة الروسية بالاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دولياً المنسوبة إلى قواتها خلال تدخلها العسكري في سوريا، إلى جانب حفظ سجلات الطلعات الجوية والاستهداف المتعلقة بالهجمات التي أوقعت ضحايا مدنيين، وإتاحتها للجهات التحقيقية والقضائية المختصة.
كما تدعو موسكو إلى التعاون مع الآليات الدولية والجهات الوطنية السورية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية، وإنشاء آليات فعالة لجبر الأضرار البشرية والمادية والمعنوية بمشاركة ممثلي الضحايا.
وتشمل المطالب كذلك المساهمة في إعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية التي يثبت تضررها نتيجة أفعال غير مشروعة دولياً منسوبة إلى القوات الروسية.
حقوق الضحايا في العلاقة مع موسكو
وعلى الجانب السوري، تدعو الشبكة الحكومة إلى ضمان ألا تنتقص أي تسوية مستقبلية مع روسيا من الحقوق الفردية للضحايا في الانتصاف وجبر الضرر، وإشراك ممثليهم في تصميم أي آلية لمعالجة آثار الانتهاكات.
كما تطالب بتوسيع ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ضمن إطارها التشريعي، لتشمل الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأجنبية التي دعمت النظام السابق، ومنها القوات الروسية.
وتدعو أيضاً إلى مطالبة موسكو رسمياً بالوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الضحايا السوريين، بما يشمل جبر الضرر والتعاون القضائي، إلى جانب حفظ الأدلة والتعاون مع آليات التحقيق الدولية.
كما تطالب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بمواصلة جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنسوبة إلى جميع الأطراف، ودعم برامج جبر الضرر التي تشمل الضحايا، ووضع حقوقهم وكشف الحقيقة وضمانات عدم التكرار في صدارة مسار العدالة الانتقالية.
بين السياسة وحقوق الضحايا
بعد 11 عاماً على بدء التدخل الروسي، تغيرت سوريا التي دخلتها القوات الروسية عام 2015؛ سقط نظام بشار الأسد، وتبدلت السلطة، وانتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية مختلفة.
لكن التحولات الكبرى لا تمحو بالضرورة آثار ما سبقها.
بالنسبة إلى عائلة فقدت طفلاً، أو مصاب يحمل آثار الحرب، أو أسرة فقدت منزلها، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يحكم دمشق اليوم أو بشكل العلاقة المقبلة مع موسكو، بل بموقع حقوقها داخل هذه العلاقة.
وهنا تبدو القضية أمام اختبار يتجاوز السياسة الخارجية إلى مفهوم العدالة نفسه: هل تستطيع سوريا بناء علاقة جديدة مع روسيا، من دون أن تتحول حقوق ضحايا المرحلة السابقة إلى بند مؤجل؟


