العين السورية - خاص
على ضفاف الخابور، تبدو المفارقة قاسية: ملايين الأمتار المكعبة من المياه تستقر خلف سد الحسكة الجنوبي، فيما ينتظر مزارعون على الجانب الآخر أن تصل قطرة منها إلى حقولهم.
بالنسبة إلى هؤلاء، المسألة ليست أرقام تخزين ولا منشآت تحتاج إلى الصيانة؛ إنها موسم قد ينجح أو يضيع، وبئر قد يضطر المزارع إلى حفرها من ماله، وأرض قد تبقى بلا زراعة، وأسرة يرتبط دخلها بما تستطيع هذه الأرض أن تنتجه.
يختزن السد اليوم أكثر من 327 مليون متر مكعب من المياه، لكن بين الماء والأرض بوابة تحتاج إلى التأهيل، ومحطات ضخ متوقفة، وقنوات تنتظر الصيانة. وهكذا تختصر صورة واحدة أزمة أكبر: الماء موجود، والأرض موجودة، وما ينقص هو الطريق بينهما.
وبين أعمال تأهيل مطلوبة لإعادة المياه إلى مساحات زراعية واسعة، وخطة لإرواء 12 ألف هكتار خلال الموسم الزراعي 2026–2027، يعود إلى الواجهة مشروع أكبر لجر مياه نهر دجلة إلى الخابور، وسط أسئلة عن فرص انتقاله من الدراسات والخطط إلى التنفيذ.
والتقت «العين السورية» المهندس يحيى عثمان، مدير الموارد المائية في الحسكة، للوقوف على الواقع الفني للسد ومدى جاهزيته للموسم المطري، وقدرته على تأمين مياه الري، إضافة إلى واقع محطات الضخ وخطط تأهيل منظومة الري والمشاريع المستقبلية المرتبطة بنهر الخابور.
وقال عثمان لـ«العين السورية» إن الوضع الفني العام لجسم السد سليم ولا توجد فيه مشكلات فنية، موضحاً أن البوابة الرئيسية للمفرغ السفلي تحتاج إلى إعادة تأهيل وصيانة، بما يسمح بفتحها وإطلاق المياه إلى مجرى نهر الخابور ليستفيد منها المزارعون.المهندس يحيى عثمان مدير الموارد المائية في الحسكة. أكثر من 327 مليون متر مكعب
تبلغ السعة التخزينية القصوى لسد الحسكة الجنوبي نحو 605 ملايين متر مكعب، فيما يبلغ التخزين الحالي، وفق مديرية الموارد المائية، نحو 327.710 مليون متر مكعب.
وأكد عثمان أن السد جاهز لاستقبال مياه الأمطار والسيول بطاقته العظمى، ما يعني أن جاهزيته للموسم المطري لا ترتبط، بحسب المديرية، بمشكلة فنية في جسم السد، وإنما بالحاجة إلى تأهيل بعض المنشآت المرتبطة بإطلاق المياه والاستفادة منها.
وفي هذا السياق، جرى تنظيم كشف تقديري لإعادة تأهيل غرفة التحكم والبوابة القوسية وإرساله إلى الهيئة العامة للموارد المائية.
وتضع هذه الخطوة مسألة الانتقال من مرحلة الكشف والتقدير إلى التنفيذ في الواجهة، خصوصاً أن إعادة تأهيل البوابة الرئيسية للمفرغ السفلي تمثل، بحسب المديرية، خطوة أساسية لإطلاق المياه باتجاه مجرى الخابور.
وتتوافق البيانات المتعلقة بالسعة التخزينية مع معلومات منشورة سابقاً عن السد، كما وثقت تقارير خلال عام 2026 حاجة شبكات الري ومحطتي الضخ 13 و15 إلى إعادة التأهيل.
نحو 9 آلاف هكتار خارج منظومة الضخ
ولا تتوقف التحديات عند بوابة السد، بل تمتد إلى محطات الضخ وشبكات الري.
وأوضح عثمان أن المساحة الواقعة ضمن زمام الحقل 19 تبلغ 3200 هكتار، فيما تصل مساحة الحقل 21 إلى نحو 5740 هكتاراً، وهي مساحات لا يمكن ريها حالياً بسبب حاجة محطتي الضخ 13 و15 إلى إعادة تأهيل وصيانة عامة.
وتؤكد بيانات منشورة في أيار 2026 أن المحطة 13 تغذي شبكة ري الحقل 19 بمساحة 3200 هكتار، بينما تغذي المحطة 15 شبكة ري الحقل 21 بمساحة 5740 هكتاراً.
كما تحتاج قنوات الحقلين، وفق عثمان، إلى أعمال تأهيل تشمل إكساء جسم القنوات وتجهيزها بالهيدرنتات والمآخذ والبوابات والمنظمات.
وقال مدير الموارد المائية إن الوضع الحالي لمحطتي الضخ 13 و15 لا يسمح بوضع خطة واضحة لتأمين مياه الري للمزارعين بسبب الأعطال.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: أكثر من 327 مليون متر مكعب مخزنة في السد، مقابل آلاف الهكتارات التي لا تستطيع حالياً الاستفادة من منظومة الري بسبب أعطال في المنشآت المرتبطة بها.
المزارعون.. كلفة إضافية للمياه
يصف عبد الرحمن العساف، أحد أصحاب الأراضي المستفيدة من مشروع ري السد الجنوبي، واقع المنطقة الزراعية بأنه شديد الصعوبة، رغم الكلفة الكبيرة التي أنفقت على مشروع الري.
وقال العساف لـ«العين السورية» إن المشروع الذي أنفقت عليه الدولة مليارات الدولارات لم يعد يؤدي دوره بالشكل المطلوب، مضيفاً أن بعض أجزاء منظومة الري تحولت إلى ما يشبه «مكب أوساخ» بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة الأراضي الزراعية.
وأشار إلى أن المشروع يخدم، بحسب تقديره، نحو 500 إلى 700 ألف دونم، في منطقة تعاني من أوضاع معيشية صعبة.
وبحسب العساف، يضطر مزارعون إلى الاعتماد على الآبار لتأمين المياه، وقد تصل تكلفة حفر البئر الواحد إلى نحو 1500 دولار، مع الحاجة أحياناً إلى حفر عدة آبار لتأمين الكميات اللازمة للزراعة.
وأضاف أن هذه التكاليف تشكل عبئاً كبيراً على الأهالي في ريف الحسكة الجنوبي، في ظل صعوبة الظروف المعيشية واعتماد أسر كثيرة على العمل الزراعي لتغطية نفقات المعيشة وتعليم الأبناء.
خطة لإرواء 12 ألف هكتار
بحسب مديرية الموارد المائية، يمكن بعد إعادة تأهيل وصيانة بوابة المفرغ السفلي وغرفة التحكم إطلاق المياه وإرواء نحو 12 ألف هكتار للجمعيات الفلاحية والمواطنين المرخصين على ضفتي نهر الخابور، حتى الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور.
وأُدرجت هذه المساحة ضمن الخطة الإنتاجية الزراعية للموسم 2026–2027، وفق عثمان، بالتوازي مع تنسيق بين مديريتي الموارد المائية والزراعة في الحسكة لوضع الخطة الإنتاجية الزراعية السنوية وفق المتاح المائي.
وسبق استخدام مياه السد لري نحو 12 ألف هكتار من الأراضي الواقعة على ضفتي الخابور، ما يظهر أهمية استعادة القدرة التشغيلية لمنظومة الري.
غير أن الوصول إلى هدف إرواء 12 ألف هكتار في الموسم الحالي يبقى، وفق المعطيات التي قدمتها المديرية، مرتبطاً بتنفيذ أعمال التأهيل المطلوبة، وليس بمجرد إدراج المساحات ضمن الخطة الزراعية.
دجلة.. المشروع الأكبر يعود إلى الواجهة
وبعيداً عن قدرة سد الحسكة الجنوبي على تخزين مياه الأمطار، يبرز مشروع أوسع ظل مطروحاً منذ سنوات، ويتمثل في جر مياه نهر دجلة إلى محافظة الحسكة وربطها بمنظومة نهر الخابور.
وتقوم الفكرة، وفق مشاريع ودراسات سابقة، على الاستفادة من حصة سوريا من مياه دجلة عبر إنشاء مأخذ ومحطة ضخ وقنوات ونفق ومنشآت لنقل المياه باتجاه الخابور، بهدف دعم مياه الشرب وري مساحات زراعية واسعة.
وتحدثت تصورات سابقة للمشروع عن إمكانية ري نحو 170 ألف هكتار جديدة، إضافة إلى دعم نحو 60 ألف هكتار ضمن مشروع ري الخابور.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، عاد الحديث عن المشروع على المستوى الحكومي والإعلامي، مع تصريحات منقولة عن عضو في مجلس الشعب السوري تفيد بأن الحكومة تضع جر مياه دجلة إلى الحسكة ضمن خططها، مقدراً كلفة المشروع بنحو ملياري دولار.
ولم يحدد التصريح جدولاً زمنياً رسمياً للتنفيذ، فيما طرح المتحدث تقديراً شخصياً بإمكانية التنفيذ بين عامي 2028 و2030.
وهنا يعود السؤال الذي رافق المشروع سنوات: هل ينتقل جر مياه دجلة إلى الخابور من الخطط والدراسات إلى التنفيذ؟
فاستئناف المشروع، إذا توافرت شروطه الفنية والتمويلية والقانونية، من شأنه إضافة مصدر مائي كبير إلى منظومة الخابور وفتح المجال أمام توسيع الرقعة الزراعية من شمال الحسكة إلى جنوبها.
لكن المشروع لا يقتصر على إنشاء قناة ومحطة ضخ؛ إذ يحتاج إلى تمويل ضخم وأعمال هندسية وبنية تحتية، إضافة إلى ترتيبات مرتبطة بالمياه العابرة للحدود وحقوق سوريا المائية.
وتشير تصريحات سابقة لمسؤولين سوريين إلى وجود اتفاق يتعلق بإنشاء محطة ضخ على نهر دجلة لاستجرار نحو 250 مليون متر مكعب، فيما تبقى قضايا المياه بين دول الحوض ملفاً يتطلب ترتيبات واتصالات بين الأطراف المعنية.
وبالتالي، لا يتعلق السؤال بوجود المشروع على الورق فحسب، وإنما بما أُنجز منه فعلياً، وحجم التمويل المطلوب، ووضع الدراسات والتصاميم، والعقبات التي ما تزال تحول دون استئنافه.
سدة الحمره وثلاث سدات جديدة
وفي انتظار المشاريع الكبرى، تعمل الجهات المعنية على مشاريع أصغر على مجرى الخابور.
وقال عثمان إن سدة نُفذت في موقع الحمره على نهر الخابور، على بعد نحو 1800 متر من جسم السد، بهدف إرواء نحو 500 هكتار من أراضي الجمعيات الفلاحية.
كما توجد، وفق مدير الموارد المائية، خطة لتنفيذ ثلاث سدات أخرى على مجرى النهر من قبل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، لإرواء الأراضي التابعة للجمعيات الفلاحية المرخصة على سرير الخابور.
الكهرباء.. مشروع لم يرَ النور
أما مشروع محطة التوليد الكهربائية المرتبطة بسد الحسكة الجنوبي، فلم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ.
وقال عثمان لـ«العين السورية» إن المحطة لم تُنفذ على أرض الواقع حتى تاريخه، بسبب عدم وجود جدوى اقتصادية للمشروع.
وبذلك، يبقى الدور الأساسي للسد في الوقت الحالي مرتبطاً بتخزين المياه وتنظيمها والاستفادة منها في الري، بينما لم يتحول مشروع التوليد الكهربائي إلى منشأة قائمة.
حماية بحيرة السد
وفي جانب يتعلق بحماية المنشأة، أوضح عثمان أن مديرية الموارد المائية ستعمل لاحقاً، بعد إتمام عملية الدمج، على تشكيل ضابطة مائية لقمع المخالفات الموجودة على بحيرة السد والحفاظ على الحرم المباشر وغير المباشر للبحيرة والمنشآت.
كما تدعو المديرية المزارعين إلى الالتزام بالخطة الزراعية والمساحات المرخصة، والعمل على تطبيق طرق الري الحديث لرفع كفاءة استخدام المياه. من السد إلى دجلة.. أين تبدأ المعالجة؟
تكشف معطيات سد الحسكة الجنوبي أن تحدي المياه في المنطقة لا يختصر في كمية الأمطار أو حجم التخزين.
فالسد، وفق مديرية الموارد المائية، سليم فنياً وجاهز لاستقبال مياه الموسم المطري، لكنه يحتاج إلى تأهيل بوابة المفرغ السفلي وغرفة التحكم، فيما تحتاج محطات الضخ والقنوات المرتبطة بمساحات زراعية واسعة إلى أعمال تأهيل أيضاً.
وفي المقابل، توجد خطة لإرواء 12 ألف هكتار خلال الموسم الزراعي 2026–2027، بينما يعود مشروع جر مياه دجلة إلى الواجهة بوصفه مشروعاً أكبر يمكن، حال تنفيذه، أن يغير حجم الموارد المائية المتاحة للمنطقة.
وبين صيانة المنشآت القائمة وإحياء المشاريع الاستراتيجية، تتوزع الأولويات المائية في الحسكة: إعادة تأهيل بوابة السد ومحطات الضخ يمكن أن تعيد آلاف الهكتارات إلى منظومة الري، فيما يفتح مشروع جر مياه دجلة ملفاً أوسع يتعلق بمستقبل الزراعة والمياه في الحسكة وحوض الخابور وصولاً إلى دير الزور.