سوريا - مجتمع
بين الخوف من الوصمة وغواية التفاخر .. السوريون يهربون من "النعمة"..
ا
العين السورية
نشر في: ١٩ فبراير ٢٠٢٦، ١٢:٥٧عدل في: ١٩ فبراير ٢٠٢٦، ١٢:٥٧
3 دقيقة
4

لمفهوم "العيب" والوصمة وسوق التعليم والعمل حكايات وسِيَر ذات دلالات وعبر، ربما تفسّر الكثير من ألغاز الإخفاق ومعها الفقر و مرادفات أخرى لهذه المفاهيم الكئيبة.
وعلى سيرة العمل والوصمة..كان لافتاً حديث تلك السيدة السورية المتصالحة مع ذاتها، عندما قالت: "لو لم أكن هنا في عملي هذا لكنت أنا طبّاخة الحي الماهرة"..وبالمناسبة السيدة كانت تشغل موقعاً مرموقاً وبراتب شهري كبير من مشروع يشرف عليه الاتحاد الأوروبي في سوريا، والكلام بعد العام 2000 بقليل، أي كانت سوريا "بخيرها" كما يُقال".
نتائج قاسية
السيدة كانت تغمز حينها إلى لوثة الشعور "بالوصمة" التي تستحكم بالسوريين ـ رجال ونساء ـ وتحول دون اختيارهم مهناً تناسب ميولهم أولاً وإمكاناتهم ثانياً. وهي بالفعل وصمة أحدثت خللاً رهيباً في توزيع الموارد البشرية، وخللاً أكبر في مهاراتها التي بالتأكيد أثرت على الإنتاجية وجودة العمل..وقد ظهر ذلك واضحاً في مؤسسات القطاع العام السوري، والأهم الخلل الذي أنتجته في تفاصيل حياة فقراء يعانون بقسوة ويترددون في محاولات الخروج من أزمتهم لأن المجتمع لهم بالمرصاد.
الحكاية من بدايتها
تبدأ الحكاية منذ اختيار الطالب لاختصاصه الجامعي، والاختصاصات هنا في سورية مرتبطة بموروثات اجتماعية متراكمة ومختلطة.. الاختصاصات الطبية أولاً ..تليها الهندسات، ثم سلسلة خيارات جامعية يقودها تحصيل العلامات في الشهادة الثانوية "العلامة لا الرغبة". ففي سوريا يختار الطالب أعلى اختصاص تؤهله له علاماته دون أن يحاكي رغبته الحقيقية وتصوره لنفسه في القادمات من سنوات حياته العملية.
وهنا نجزم من خلال متابعة تفاصيل كثيفة في بلدنا، أن ذوي الطالب "أهله" هم من يدفعون به عنوةً إلى حيث يتيح لهم المفاخرة، أي "يمتطون" مستقبل أبنائهم لتحقيق طموحات فشلوا هم في تحقيقها.
شهادة للتفاخر
بكل الأحوال إن كان الطالب غير موفقاً بمجموعه في الثانوية العامة، فليكن أي اختصاص جامعي..المهم جامعة، وليس معهد مهني يؤهله لامتهان حرفة مهما كانت راقية تؤهله لعمل لائق واحتراف مهنة يرغب بها بعائد جيد يضمن له حياة كريمة. من هنا بات التعليم المهني في سوريا "تهمة" تشي بفشل الطالب والأسرة التي تحاول مداراة مايشبه "الفضيحة"...أي خريج بلا عمل "معظم كليات العلوم الإنسانية"، أو يعمل كموظف في واقع بطالة مقنعة "معظم خريجي الهندسات في القطاع العام"، أفضل بكثير من مهني مؤهل يكسب ويبدع في مجاله ويحقق دخلاً يحسده عليه أقرانه من حملة الشهادات التي أوقعتهم في مستنقع البطالة.
عثرة المستقبل
المشكلة الأكبر..أن الشهادات الجامعية غير المطلوبة في سوق العمل، تكبّل أصحابها وتمنحهم شعوراً مزيفاً بالأنفة والاعتزاز، فينأون بأنفسهم عن ممارسة أي عمل خارج إطار مؤهلهم العلمي النظري، فيقعون في دوامة الفقر والوهن المادي والمعنوي، والسبب أن مجتمعهم سيتنمّر عليهم ..وربما هذه هي الحقيقة.
فادي حمد: خيار الدراسة في المجتمعات الشرقية مبني على تقليد الآخرين، و يدعمه ضغط الأهل
" وصمة" شرقيّة
يرى مدرّب الموارد البشرية فادي حمد، أنه غالباً في المجتمعات الشرقية والدول العربية بوجه الخصوص، يكون خيار الدراسة مبني على تقليد الآخرين، و يدعمه ضغط الأهل في اختيار المجال العلمي أو المهني الذي يرغبون به، دون اكتشاف ميول الطالب احياناً.
ويضيف حمد في حديث لـ " العين السورية": في مجمل الأحيان نجد النصيحة الأنانية التي تختزل الميول للأولاد فيما يصب في مصلحة الطرفين عادة أو بما يعود بالنفع المعنوي والمادي للأهل ..
فادي حمد: كل طالب له خصوصيته في اختيار مجاله الحياتي ويبنيه حسب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وحاجة السوق أو التسمية الشكلية واللقب النهائي
والإشارة الأهم هنا التي لفت إليها مدرب الموارد البشرية، هي أنه عادة نجد أن " عقدة نقص الأهل" هي سبب رئيسي لملئ فراغ هم بحاجته إن كان معنوياً ونفسياً أو تفاخرياً أو مادياً في بعض الأحيان.
يوضح حمد أنه ربما كل طالب له خصوصيته في اختيار مجاله الحياتي ويبنيه حسب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وحاجة السوق أو التسمية الشكلية واللقب النهائي، بغض النظر عن استمرارية العمل بالتخصص وهذا ما نراه جلياً من خلال الكفاءات المتخصصة التي تجدها وساماً في مجال الأعمال وبينما نجد ألقاباً دون محتوى عند الكثيرين.
ويختم مدرب الموارد البشرية: أنا من وجهة نظري عند بناء مجتمع متكامل في كافة التخصصات وعندما تجتمع الرغبة الحقيقية لدى الطلاب في تحقيق الهدف من التخصص الذي يسلكه، إن كان علمي أو مهني، هو من أهم دعائم بناء سوريا الجديدة، فمثلاً نرى تخصصات مهنية ترقى في جدواها الاقتصادية والابتكارية، ما تجعل الدهشة والإعجاب من طلاب كانوا يؤمنون بتحقيق الهدف أصبحوا مخترعين وأعطوا البلد نجاحات مستمرة وقدموا اشياء رائعة للبشرية.


