سوريا - محليات
خديعة الدعم التي أنهكت السوريين… وكيف حُلّت أزمة النقل بقرار
ا
العين السوري:
نشر في: ٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٢:٥٥عدل في: ٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٢:٥٥
3 دقيقة
1

لم تكن مشكلة النقل الداخلي في سوريا يومًا معقّدة إلى الحد الذي جعلها تتصدّر هموم المواطنين لأكثر من عشر سنوات.
فبعد التحرير مباشرة، اختفت الأزمة بشكل شبه كامل، ما يفتح باب تساؤل عريض، ممزوج بالتعجّب والريبة: لماذا لم تُحلّ هذه المشكلة سابقًا؟
خصوصًا أن السلطات السابقة لطالما ادّعت أنها لن تدّخر جهدًا، وعقدت عشرات الاجتماعات التي وُصفت بـ«العصف الذهني»، دون أن تثمر سوى مزيد من التعقيد وتفاقم المعاناة.
قرار بسيط… وحل حاسم
حكومة ما بعد التحرير أنهت إشكالية النقل الداخلي بقرار غير معقّد: توحيد أسعار الوقود أولًا، ثم تأمينه وإتاحته بوفرة ثانيًا.
وهنا يبرز السؤال المشروع: هل كان هذا الحل عصيًّا إلى هذا الحد؟
أم أن منظومة فساد متجذّرة، وخصوصًا في قطاع النفط والمشتقات، كانت المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة؟
خديعة الدعم
تحت عناوين «الدعم» وتعدّد أسعار المشتقات النفطية (نقل، زراعة، مخابز)، نشأت خلال السنوات العشر التي سبقت سقوط النظام سوق سوداء نشطة.
هذه الخديعة صنعت أزمة خانقة، كانت الشوارع مسرحها اليومي، وتحوّل المواطن السوري ومعاناته إلى مادة إعلامية مستهلكة، داخليًا وخارجيًا، في مشهد استثماري بائس للألم.
سوق سوداء معلَنة
لم يكن خافيًا على أحد، لا المواطن ولا الحكومة، أن مخصصات وقود النقل «المدعوم» كانت تتسرّب مباشرة إلى السوق السوداء.
فبين سعر رسمي يقارب 2000 ليرة لليتر المازوت، وسعر في السوق السوداء يصل إلى 20–25 ألف ليرة، وجد أصحاب وسائل النقل أن المتاجرة بالمخصصات أكثر ربحًا من تشغيلها على الخطوط.
وهكذا تحوّل الخلل التنظيمي المشبوه إلى محرّك أساسي للأزمة بدل أن يكون أداة لحلّها.
فساد بلا مواربة
بدل كسر حلقة «الدعم المريب»، اتجهت الحكومات السابقة—بتوجيهات تبيّن لاحقًا أنها صادرة من القصر الجمهوري—إلى معالجة النتائج لا الأسباب.
فُرض تركيب أجهزة GPS على السرافيس بكلفة وصلت إلى 200 ألف ليرة سورية، إضافة إلى رسوم متكرّرة تستوفيها شركات مشغّلة مرتبطة بأسماء الأسد عن كل عملية تعبئة.
لكن الأزمة لم تُحل.
بل لجأ السائقون إلى التحايل، عبر تجميع عدة أجهزة في مركبة واحدة أو حتى على دراجة نارية، لتظهر إلكترونيًا وكأنها تعمل على الخطوط المطلوبة.
ثم أُضيفت حلقات رقابية جديدة، وتدخلت الشرطة دون جدوى، بينما استمرت العلاوات والرسوم بالتدفّق على أطراف منظومة النقل، وبقي المواطن الخاسر الأكبر.
نصف الحل… وما تبقّى
تمت معالجة جوهر المشكلة بإلغاء خديعة الدعم، وتوحيد أسعار المحروقات، وتأمينها بوفرة، ما أدى إلى القضاء على السوق السوداء التي كانت أصل الأزمة من ألفها إلى يائها.
لكن ما تحقق هو نصف الحل فقط.
إذ ما يزال الشق التنظيمي قائمًا، والمتعلّق بإعادة توزيع السرافيس على الخطوط بشكل عادل ومدروس، وفق الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي لكل منطقة.
فهناك خطوط مكتظة تعاني نقصًا حادًا في وسائل النقل، وأخرى تعاني فائضًا يضعف الجدوى الاقتصادية للتشغيل.
الحل المنطقي يقتضي إعادة توزيع وسائل النقل بما يخفّف الاختناقات في أوقات الذروة صباحًا وبعد الظهر، ويضمن في الوقت نفسه عائدًا مقبولًا لأصحاب السرافيس.
الخلاصة
ما زال على الحكومة إنجاز اللمسة الأخيرة لإغلاق ملف أوجع السوريين طويلًا.
وحين يكتمل الحل، سيكون من حق المواطنين جميعًا أن يصفّقوا لحكومة واجهت المشكلة من جذورها، لا من هوامشها.


