سوريا - اقتصاد
سورية 2026: توازنات المعيشة الجديدة وتحديات القوة الشرائية
ا
العين السورية
نشر في: ٢١ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٠٠عدل في: ٢١ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٠٠
3 دقيقة
0

رهام علي
بينما تزدحم مكاتب الاستشارات في بيروت ودبي بدراسات "إعادة الإعمار" وتوقيع صفقات الطاقة الكبرى، يبدو المشهد داخل المدن السورية أكثر تعقيداً من لغة الأرقام؛ ففي عام 2026، لا تُقرأ الرفاهية فقط من خلال معدلات النمو التي أعلنتها وزارة المالية السورية مؤخراً بنسبة 4.2%، بل تظهر الحقيقة في قدرة الكوادر المهنية من أطباء ومدرسين ومهندسين على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية الحادة وتآكل القوة الشرائية.
المؤشرات الدولية وواقع الأمن الغذائي
تتجاوز التحديات التي تواجه الطبقة الوسطى حدود الغلاء اليومي، لتصبح ظاهرة رصدتها كبرى المنظمات الدولية. وبحسب بيانات البنك الدولي لمطلع عام 2026، يواجه نحو ربع السوريين تحديات معيشية قاسية، فيما يرزح نحو 67% تحت خط الفقر الأدنى. هذه الأرقام تتقاطع مع تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) التي تشير إلى أن الفجوة المتسعة بين الدخل والأسعار وضعت غالبية السوريين أمام خيارات معيشية صعبة، في حين تؤكد التقارير الدولية أن 89% من السكان يواجهون تحديات في الأمن الغذائي، ما جعل الاعتماد على المساعدات والتحويلات الخارجية ركيزة أساسية لتلبية الاحتياجات الضرورية.
التحدي النفسي لتبسيط العملة
ومع مطلع عام 2026، دخل قرار حذف صفرين من القيمة الاسمية لليرة السورية حيز التنفيذ كإجراء تقني لتبسيط الحسابات والمعاملات. ورغم أن القيمة الشرائية حسابياً لم تتغير، إلا أن هذا التحول أوجد نوعاً من الصدمة النفسية في الأسواق.
وفي هذا السياق، يوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، في حديثه لـ "العين السورية"، أن المواطن يواجه صعوبة في التأقلم مع التسعير الجديد؛ حيث يرى أن الفئات النقدية الجديدة تُصرف بسرعة تفوق قدرته على التوفير. ويشير حبزة إلى أن تزامن هذا الإجراء التقني مع ضغوط الموسم الرمضاني والارتفاع العالمي في تكاليف الشحن والطاقة، ساهم في تسجيل قفزات سعرية مست الأسواق المحلية بشكل مباشر.
سلة رمضان.. لغة الأرقام المباشرة
في السياق، تتجلى الفجوة المعيشية بوضوح عند تحليل كلفة "المائدة الرمضانية"؛ فوفقاً للأرقام الميدانية التي أوردها حبزة، تصل كلفة وجبة السحور البسيطة يومياً لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 750 ليرة (بالنظام الجديد)، بينما تبلغ وجبة الإفطار الأساسية 1,250 ليرة.
وبعملية حسابية، تحتاج العائلة إلى 2000 ليرة يومياً (ما يعادل 200 ألف ليرة قديمة)، ليصل إجمالي كلفة الطعام والشراب خلال الشهر إلى قرابة 6 ملايين ليرة (بالقيمة القديمة). هذا الواقع يضع أصحاب الدخل المحدود أمام تحدٍ كبير، إذ أن الرواتب، رغم زياداتها الاسمية، باتت تغطي جزءاً يسيراً من المتطلبات الغذائية الأساسية فقط.
تحولات الهيكل الاجتماعي
يرى مراقبون أن "الميزان الاجتماعي" السوري شهد تحولاً جذرياً؛ إذ يشير حبزة إلى تراجع ملموس في حجم الطبقة الوسطى التي كانت تشكل عماد المجتمع السوري؛ هذا التراجع أدى إلى انقسام الاستهلاك بين شريحة تملك القدرة على تأمين السلع النخبوية، وأغلبية تكافح لتأمين الأساسيات، حيث لجأ البعض لاقتناء كميات ضئيلة من المواد الغذائية (كاللحوم والدواجن) وبجودة قد لا تكون هي الأفضل، لمجرد الحفاظ على استمرارية العيش.
الجودة لمن استطاع إليها سبيلاً
ولم يقتصر الغلاء على الكميات، بل طال جودة المعروض؛ فالمواد ذات المنشأ الممتاز باتت أسعارها تفوق القدرة الشرائية لشرائح واسعة، لتصبح حكراً على فئة محدودة. ويوضح حبزة أن سلعاً كانت تعتبر يوماً من ضروريات المائدة السورية، كالحلويات والمكسرات والفواكه من الصنف الأول، خرجت من سلة استهلاك الأسر المتوسطة لتتحول إلى "كماليات" تُعرض في الواجهات دون قدرة الكثيرين على اقتنائها.
البحث عن توازن مستدام
بالتوازي مع هذه الضغوط، تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن الأسر السورية تضطر لإنفاق جزء كبير من دخلها على الخدمات الأساسية التي باتت تعتمد على القطاع الخاص، كالطاقة البديلة. ويؤكد حبزة أن استقرار المشهد يتطلب سياسات اقتصادية شاملة تركز على خفض تكاليف الإنتاج وتخفيف الأعباء الضريبية عن التجار، لضمان عدم انعكاسها كزيادات سعرية يتحملها المستهلك في نهاية المطاف.
وعليه، تمتلك سورية في عام 2026 بنية تحتية خدمية أكثر استقراراً وأسواقاً غنية بالبضائع، لكن التحدي الأكبر يبقى في "تمكين" الإنسان من الوصول لهذه الخدمات. الطبقة الوسطى التي كانت محرك الثقافة والادخار تخوض اليوم غمار "المنطقة الرمادية"، بانتظار توازن اقتصادي يعيد الاعتبار للقوة الشرائية ويجعل من النمو المعلن في التقارير واقعاً ملموساً في جيوب المواطنين.
ومع مطلع عام 2026، دخل قرار حذف صفرين من القيمة الاسمية لليرة السورية حيز التنفيذ كإجراء تقني لتبسيط الحسابات والمعاملات. ورغم أن القيمة الشرائية حسابياً لم تتغير، إلا أن هذا التحول أوجد نوعاً من الصدمة النفسية في الأسواق.
وفي هذا السياق، يوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، في حديثه لـ "العين السورية"، أن المواطن يواجه صعوبة في التأقلم مع التسعير الجديد؛ حيث يرى أن الفئات النقدية الجديدة تُصرف بسرعة تفوق قدرته على التوفير. ويشير حبزة إلى أن تزامن هذا الإجراء التقني مع ضغوط الموسم الرمضاني والارتفاع العالمي في تكاليف الشحن والطاقة، ساهم في تسجيل قفزات سعرية مست الأسواق المحلية بشكل مباشر.
سلة رمضان.. لغة الأرقام المباشرة
في السياق، تتجلى الفجوة المعيشية بوضوح عند تحليل كلفة "المائدة الرمضانية"؛ فوفقاً للأرقام الميدانية التي أوردها حبزة، تصل كلفة وجبة السحور البسيطة يومياً لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 750 ليرة (بالنظام الجديد)، بينما تبلغ وجبة الإفطار الأساسية 1,250 ليرة.
وبعملية حسابية، تحتاج العائلة إلى 2000 ليرة يومياً (ما يعادل 200 ألف ليرة قديمة)، ليصل إجمالي كلفة الطعام والشراب خلال الشهر إلى قرابة 6 ملايين ليرة (بالقيمة القديمة). هذا الواقع يضع أصحاب الدخل المحدود أمام تحدٍ كبير، إذ أن الرواتب، رغم زياداتها الاسمية، باتت تغطي جزءاً يسيراً من المتطلبات الغذائية الأساسية فقط.
تحولات الهيكل الاجتماعي
يرى مراقبون أن "الميزان الاجتماعي" السوري شهد تحولاً جذرياً؛ إذ يشير حبزة إلى تراجع ملموس في حجم الطبقة الوسطى التي كانت تشكل عماد المجتمع السوري؛ هذا التراجع أدى إلى انقسام الاستهلاك بين شريحة تملك القدرة على تأمين السلع النخبوية، وأغلبية تكافح لتأمين الأساسيات، حيث لجأ البعض لاقتناء كميات ضئيلة من المواد الغذائية (كاللحوم والدواجن) وبجودة قد لا تكون هي الأفضل، لمجرد الحفاظ على استمرارية العيش.
الجودة لمن استطاع إليها سبيلاً
ولم يقتصر الغلاء على الكميات، بل طال جودة المعروض؛ فالمواد ذات المنشأ الممتاز باتت أسعارها تفوق القدرة الشرائية لشرائح واسعة، لتصبح حكراً على فئة محدودة. ويوضح حبزة أن سلعاً كانت تعتبر يوماً من ضروريات المائدة السورية، كالحلويات والمكسرات والفواكه من الصنف الأول، خرجت من سلة استهلاك الأسر المتوسطة لتتحول إلى "كماليات" تُعرض في الواجهات دون قدرة الكثيرين على اقتنائها.
البحث عن توازن مستدام
بالتوازي مع هذه الضغوط، تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن الأسر السورية تضطر لإنفاق جزء كبير من دخلها على الخدمات الأساسية التي باتت تعتمد على القطاع الخاص، كالطاقة البديلة. ويؤكد حبزة أن استقرار المشهد يتطلب سياسات اقتصادية شاملة تركز على خفض تكاليف الإنتاج وتخفيف الأعباء الضريبية عن التجار، لضمان عدم انعكاسها كزيادات سعرية يتحملها المستهلك في نهاية المطاف.
وعليه، تمتلك سورية في عام 2026 بنية تحتية خدمية أكثر استقراراً وأسواقاً غنية بالبضائع، لكن التحدي الأكبر يبقى في "تمكين" الإنسان من الوصول لهذه الخدمات. الطبقة الوسطى التي كانت محرك الثقافة والادخار تخوض اليوم غمار "المنطقة الرمادية"، بانتظار توازن اقتصادي يعيد الاعتبار للقوة الشرائية ويجعل من النمو المعلن في التقارير واقعاً ملموساً في جيوب المواطنين.


