سوريا - اقتصاد
"لازارد" بين تعثر التجربة اللبنانية وطموح التعافي السوري: هل تنجح التقنية حيث أخفقت السياسة؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٥ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٢٣عدل في: ٢٥ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٢٣
3 دقيقة
1

تحول اسم شركة "لازارد" العالمية إلى محور لجدل اقتصادي وسياسي ساخن في منطقة تعاني من أزمات مركبة. فبينما غادرت الشركة بيروت مخلفة وراءها "خطة تعافٍ" أجهضتها التجاذبات المحلية، تبرز أنباء حضورها في دمشق كخطوة تقنية لافتة تثير تساؤلات جوهرية حول الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات العابرة للحدود.
هل تكرر "لازارد" دور "المشخصاتي" لواقع مالي مأزوم لا يملك أصحابه النية للعلاج، أم أنها تمهد الطريق لمرحلة جديدة من الانفتاح وإعادة الهيكلة الدولية في المشهد السوري الطامح للنهوض؟
حين تصطدم الأرقام بجدار المصالح
في لبنان، لم تكن مهمة "لازارد" سياسية في جوهرها، بل كانت محاولة محاسبية بامتياز لترميم واقع متحلل. نجحت الشركة بالفعل في تحديد "الفجوة المالية" بدقة تقنية أقر بها صندوق النقد الدولي، لكنها اصطدمت سريعاً بجدار المصالح المحلية الصلب. الخلاف لم يكن تقنياً بقدر ما كان صراعاً وجودياً على سؤال "من يدفع الثمن؟". فقد اقترحت الخطة حينها توزيع الخسائر بشكل يحمي صغار المودعين، وهو ما اعتبرته المنظومة المالية والمصرفية اللبنانية "إعلان إفلاس" قسرياً يهدد نفوذها، مما أدى في نهاية المطاف إلى تجميد المسار الإصلاحي بالكامل.
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمالي اللبناني الدكتور غابي بجاني، أن تجربة "لازارد" في لبنان شابتها عيوب بنيوية منذ اللحظة الأولى. فبالنسبة له، "اعتمدت الشركة على ما قدمته لها الدولة اللبنانية من أرقام وبيانات، والحقيقة الصادمة أن القيمين على الدولة أنفسهم لم يكونوا يعرفون الأرقام الحقيقية أو تعمدوا عدم استعراض المعطيات كاملة أمام المستشار الدولي".
وفي حديثه مع "العين السورية" يشير بجاني، إلى أن الوضع اللبناني كان أكثر تعقيداً من الواقع السوري، مدللاً على ذلك بأن لبنان الذي استقطب تدفقات دولية هائلة بين عامي 1991 و2019 تراوحت بين 280 و340 مليار دولار، يقف اليوم عاجزاً ويفاوض لسنوات من أجل الحصول على 3 مليارات دولار فقط من صندوق النقد، مما يعكس حالة من عدم الوضوح التام في المشهد المالي اللبناني.
ويذهب الدكتور بجاني في قراءته إلى أبعد من الجانب التقني، ليتحدث عن كواليس استقدام الشركة، موضحاً أن "لازارد" كباقي الشركات العالمية تعمل بشفافية عالية في دول مثل فرنسا وأمريكا ولا تستطيع مخالفة القوانين هناك، لكن المشكلة تكمن في "السمسرات" المحلية. ويؤكد أن دخول مثل هذه الشركات إلى لبنان غالباً ما بدأ بفساد، إذ تدخلت شخصيات مسؤولة لترتيب الصفقات مقابل عمولات تراوحت بين 10 إلى 20 بالمئة، مما يجعل السؤال عن "من جلب الشركة؟" أهم من السؤال عن الشركة نفسها.
ويخلص بجاني إلى أن الطبقة السياسية في لبنان جلبت "لازارد" تحت ضغوط سياسية لكنها تعمدت إفشالها عبر حجب الداتا المطلوبة عنها، لأن هناك ملفات مخبأة لا يريد أحد نبشها أو كشف من سرق البلاد.
سوريا: البحث عن "مترجم" مالي للمنظومة الدولية
على الضفة الأخرى، ينظر المراقبون إلى دخول "لازارد" المرتقب إلى سوريا كإشارة تتجاوز حدود الاستشارة التقليدية. فالدولة السورية التي تسعى لتنظيم ملفاتها المالية لمرحلة ما بعد الحرب، تجد نفسها في حاجة ماسة إلى "مترجم مالي" يتقن لغة المؤسسات الدولية وقادر على فك شفرات النظام المالي العالمي. الحضور هنا قد يتركز على إعادة تنظيم القطاع المصرفي المنهك، وجذب الاستثمارات المتعطشة، وربما وضع حجر الأساس لهيكلية ديون مستقبلية، بعيداً عن صراعات "توزيع الخسائر" التي أغرقت التجربة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يطرح المستشار في الإدارة والاقتصاد الدكتور سامر رحال لـ العين السورية"، رؤية تحليلية حول ما يمكن أن تقدمه "لازارد" واقعياً لاقتصاد مثقل بالعقوبات وتآكل الثقة.
ويعتبر رحال أن الشركة تمتلك خبرة واسعة في إعادة هيكلة الديون السيادية، وهي خبرة قيّمة لدولة تحتاج اليوم إلى إعادة تقييم أولوياتها المالية وتعريف العلاقة بين وزارة المالية والبنوك المحلية؛ فوجود مستشار خارجي بهذا الحجم يساعد في تقديم قراءة موضوعية للبيانات ووضع سيناريوهات واقعية بدلاً من الحلول المؤقتة وقصيرة الأجل التي استنزفت الموارد سابقاً.
ويوضح رحال أن التعاون مع مستشار دولي في سوريا يحمل زاويتين؛ الأولى تقنية بحتة تهدف لتعزيز أدوات السياسة المالية، والثانية سياسية اقتصادية لإرسال إشارة للمجتمع الدولي برغبة سوريا في الانخراط الاحترافي مع النظام المالي العالمي، "فالارتباط بشركة مرموقة قد يعيد فتح قنوات مالية كانت مغلقة تماماً".
ومع ذلك، يحذر رحال من خطورة نقل "النماذج الجاهزة" من دول أخرى إلى الواقع السوري الذي يعمل في ظل عقوبات مستمرة وقطاع غير رسمي واسع، مؤكداً أن التحدي يكمن في صياغة توصيات تخدم الأولويات الوطنية دون أن تتحول إلى التزامات جامدة تفرض من الخارج.
بين السيادة والضرورة
تطرح الاستعانة ببيوت الخبرة العالمية جدلية مستمرة حول "السيادة الوطنية" مقابل "الكفاءة الدولية". فبينما يرى البعض في هذه الشركات مفاتيحاً لا غنى عنها للانضمام للمنظومة العالمية، يخشى آخرون من فرض نماذج "نيوليبرالية" قد لا تتناسب مع الخصوصيات الاجتماعية والسياسية للدول، والتحدي الحقيقي هنا يكمن في مدى قدرة المؤسسات الوطنية على توظيف نصائح المستشار الدولي لخدمة رؤيتها الخاصة، لا أن تتحول هي إلى أداة لتنفيذ أجندات المستشار.
ويختم الدكتور بجاني رؤيته بتمني أن تكون التجربة السورية مختلفة، إذ يأمل أن تكون سنوات المعاناة الطويلة قد أنتجت "دولة جديدة" تملك النزاهة والكفاءة اللازمتين لبناء تجربة ناجحة مع "لازارد"، مشدداً على أن الغاية من جلب الشركة هي التي ستحدد مصير المهمة.
بالتوازي، يؤكد الدكتور رحال أن "لازارد" وحدها لا تملك عصا سحرية لإنقاذ الاقتصاد السوري، كما أن تجاهلها ليس خياراً واقعياً في عالم متشابك. والعامل الحاسم سيبقى في كيفية إدارة هذه العلاقة؛ هل ستكون جزءاً من استراتيجية إصلاح متماسكة مدعومة بإرادة سياسية واضحة لتحمل تكاليف الإصلاح، أم ستبقى مجرد شعار براق للاستهلاك الإعلامي؟ الإجابة لن تأتي من البيانات الصحفية، بل من القرارات الملموسة وقدرة الاقتصاد على استعادة ثقة الناس قبل ثقة الخارج.
حين تصطدم الأرقام بجدار المصالح
في لبنان، لم تكن مهمة "لازارد" سياسية في جوهرها، بل كانت محاولة محاسبية بامتياز لترميم واقع متحلل. نجحت الشركة بالفعل في تحديد "الفجوة المالية" بدقة تقنية أقر بها صندوق النقد الدولي، لكنها اصطدمت سريعاً بجدار المصالح المحلية الصلب. الخلاف لم يكن تقنياً بقدر ما كان صراعاً وجودياً على سؤال "من يدفع الثمن؟". فقد اقترحت الخطة حينها توزيع الخسائر بشكل يحمي صغار المودعين، وهو ما اعتبرته المنظومة المالية والمصرفية اللبنانية "إعلان إفلاس" قسرياً يهدد نفوذها، مما أدى في نهاية المطاف إلى تجميد المسار الإصلاحي بالكامل.
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمالي اللبناني الدكتور غابي بجاني، أن تجربة "لازارد" في لبنان شابتها عيوب بنيوية منذ اللحظة الأولى. فبالنسبة له، "اعتمدت الشركة على ما قدمته لها الدولة اللبنانية من أرقام وبيانات، والحقيقة الصادمة أن القيمين على الدولة أنفسهم لم يكونوا يعرفون الأرقام الحقيقية أو تعمدوا عدم استعراض المعطيات كاملة أمام المستشار الدولي".
وفي حديثه مع "العين السورية" يشير بجاني، إلى أن الوضع اللبناني كان أكثر تعقيداً من الواقع السوري، مدللاً على ذلك بأن لبنان الذي استقطب تدفقات دولية هائلة بين عامي 1991 و2019 تراوحت بين 280 و340 مليار دولار، يقف اليوم عاجزاً ويفاوض لسنوات من أجل الحصول على 3 مليارات دولار فقط من صندوق النقد، مما يعكس حالة من عدم الوضوح التام في المشهد المالي اللبناني.
ويذهب الدكتور بجاني في قراءته إلى أبعد من الجانب التقني، ليتحدث عن كواليس استقدام الشركة، موضحاً أن "لازارد" كباقي الشركات العالمية تعمل بشفافية عالية في دول مثل فرنسا وأمريكا ولا تستطيع مخالفة القوانين هناك، لكن المشكلة تكمن في "السمسرات" المحلية. ويؤكد أن دخول مثل هذه الشركات إلى لبنان غالباً ما بدأ بفساد، إذ تدخلت شخصيات مسؤولة لترتيب الصفقات مقابل عمولات تراوحت بين 10 إلى 20 بالمئة، مما يجعل السؤال عن "من جلب الشركة؟" أهم من السؤال عن الشركة نفسها.
ويخلص بجاني إلى أن الطبقة السياسية في لبنان جلبت "لازارد" تحت ضغوط سياسية لكنها تعمدت إفشالها عبر حجب الداتا المطلوبة عنها، لأن هناك ملفات مخبأة لا يريد أحد نبشها أو كشف من سرق البلاد.
سوريا: البحث عن "مترجم" مالي للمنظومة الدولية
على الضفة الأخرى، ينظر المراقبون إلى دخول "لازارد" المرتقب إلى سوريا كإشارة تتجاوز حدود الاستشارة التقليدية. فالدولة السورية التي تسعى لتنظيم ملفاتها المالية لمرحلة ما بعد الحرب، تجد نفسها في حاجة ماسة إلى "مترجم مالي" يتقن لغة المؤسسات الدولية وقادر على فك شفرات النظام المالي العالمي. الحضور هنا قد يتركز على إعادة تنظيم القطاع المصرفي المنهك، وجذب الاستثمارات المتعطشة، وربما وضع حجر الأساس لهيكلية ديون مستقبلية، بعيداً عن صراعات "توزيع الخسائر" التي أغرقت التجربة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يطرح المستشار في الإدارة والاقتصاد الدكتور سامر رحال لـ العين السورية"، رؤية تحليلية حول ما يمكن أن تقدمه "لازارد" واقعياً لاقتصاد مثقل بالعقوبات وتآكل الثقة.
ويعتبر رحال أن الشركة تمتلك خبرة واسعة في إعادة هيكلة الديون السيادية، وهي خبرة قيّمة لدولة تحتاج اليوم إلى إعادة تقييم أولوياتها المالية وتعريف العلاقة بين وزارة المالية والبنوك المحلية؛ فوجود مستشار خارجي بهذا الحجم يساعد في تقديم قراءة موضوعية للبيانات ووضع سيناريوهات واقعية بدلاً من الحلول المؤقتة وقصيرة الأجل التي استنزفت الموارد سابقاً.
ويوضح رحال أن التعاون مع مستشار دولي في سوريا يحمل زاويتين؛ الأولى تقنية بحتة تهدف لتعزيز أدوات السياسة المالية، والثانية سياسية اقتصادية لإرسال إشارة للمجتمع الدولي برغبة سوريا في الانخراط الاحترافي مع النظام المالي العالمي، "فالارتباط بشركة مرموقة قد يعيد فتح قنوات مالية كانت مغلقة تماماً".
ومع ذلك، يحذر رحال من خطورة نقل "النماذج الجاهزة" من دول أخرى إلى الواقع السوري الذي يعمل في ظل عقوبات مستمرة وقطاع غير رسمي واسع، مؤكداً أن التحدي يكمن في صياغة توصيات تخدم الأولويات الوطنية دون أن تتحول إلى التزامات جامدة تفرض من الخارج.
بين السيادة والضرورة
تطرح الاستعانة ببيوت الخبرة العالمية جدلية مستمرة حول "السيادة الوطنية" مقابل "الكفاءة الدولية". فبينما يرى البعض في هذه الشركات مفاتيحاً لا غنى عنها للانضمام للمنظومة العالمية، يخشى آخرون من فرض نماذج "نيوليبرالية" قد لا تتناسب مع الخصوصيات الاجتماعية والسياسية للدول، والتحدي الحقيقي هنا يكمن في مدى قدرة المؤسسات الوطنية على توظيف نصائح المستشار الدولي لخدمة رؤيتها الخاصة، لا أن تتحول هي إلى أداة لتنفيذ أجندات المستشار.
ويختم الدكتور بجاني رؤيته بتمني أن تكون التجربة السورية مختلفة، إذ يأمل أن تكون سنوات المعاناة الطويلة قد أنتجت "دولة جديدة" تملك النزاهة والكفاءة اللازمتين لبناء تجربة ناجحة مع "لازارد"، مشدداً على أن الغاية من جلب الشركة هي التي ستحدد مصير المهمة.
بالتوازي، يؤكد الدكتور رحال أن "لازارد" وحدها لا تملك عصا سحرية لإنقاذ الاقتصاد السوري، كما أن تجاهلها ليس خياراً واقعياً في عالم متشابك. والعامل الحاسم سيبقى في كيفية إدارة هذه العلاقة؛ هل ستكون جزءاً من استراتيجية إصلاح متماسكة مدعومة بإرادة سياسية واضحة لتحمل تكاليف الإصلاح، أم ستبقى مجرد شعار براق للاستهلاك الإعلامي؟ الإجابة لن تأتي من البيانات الصحفية، بل من القرارات الملموسة وقدرة الاقتصاد على استعادة ثقة الناس قبل ثقة الخارج.


