سوريا - اقتصاد
نفط سوريا إلى " الخزائن الشفّافة " لأوّل مرّة
ا
العين السورية
نشر في: ١١ فبراير ٢٠٢٦، ١٠:٣٧عدل في: ١١ فبراير ٢٠٢٦، ١٠:٣٧
3 دقيقة
0

لطالما كان النفط في سوريا لغزاً سيادياً، يُسمع ضجيج آلاته في الحسكة ودير الزور، وتختفي أرقامه في دهاليز القصر الجمهوري بدمشق قبل سقوط النظام. اليوم، ومع استلام الوفد الحكومي التابع للحكومة الجديدة لأكبر آبار النفط في الحسكة، تبرز وعود "الشفافية" كإعلان رسمي عن نهاية حقبة "النفط الموازي" التي دامت لأكثر من أربعة عقود، لتبدأ مرحلة إخضاع الثروات الوطنية لسلطة الموازنة العامة لا لسلطة الأفراد.
الثروة التي لم يعرفها السوريون
وبالعودة إلى الأبحاث والدراسات الموثقة، تحديداً تقارير معهد "تشاتام هاوس" اللندني حول الاقتصاد السوري، يتضح أن نظام حكم الأسد الأب والأبن قد أسسا منظومة مالية معقدة لضمان بقاء النفط خارج سيطرة وزارة المالية ومجلس الشعب؛ إذ كانت الإيرادات الضخمة الناتجة عن "شركة الفرات للنفط" والشركات الأجنبية المشغلة تُورد مباشرة إلى حسابات خاصة تابعة للقصر الجمهوري، أو ما عُرف بـ "الموازنة الموازية".
دراسات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وثقت أن هذه الأموال كانت تُستخدم لتمويل الأجهزة الأمنية، التسليح، وشراء الولاءات السياسية، مما يفسر التناقض الصارخ الذي وثقته تقارير البنك الدولي قبل عام 2011؛ إذ كانت أرقام الإنتاج المسجلة لدى الشركات الأجنبية تفوق بمراحل الإيرادات النفطية المسجلة في الموازنة العامة للدولة. هذا التعتيم الممنهج جعل من النفط السوري "ثقباً أسود" امتص مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تبني بنية تحتية متطورة، بدلاً من إبقاء البلاد في حالة ترهل اقتصادي مزمن.
في السياق، استندت هذه المادة إلى مقارنة شاملة بين حجم الإنتاج الفعلي للنفط السوري وبين ما كان يُسجل رسمياً في موازنات الدولة؛ وبناء عليه، تؤكد دراسات "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية" أن هيكلية إدارة قطاع النفط في سوريا صُممت خصيصاً لتكون بعيدة عن أي رقابة مؤسساتية، إذ كانت القرارات والصفقات تُدار عبر شبكات أمنية وعائلية، مما جعل من النفط "إقطاعية" خاصة لا تدخل في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
كذلك، تظهر الفجوة بوضوح عند مقارنة بيانات شركة "بي بي" (BP) في تقريرها السنوي للطاقة (Statistical Review of World Energy)، الذي وثق إنتاجاً يتجاوز 500 ألف برميل يومياً في ذروته، ببيانات صندوق النقد الدولي (IMF) الرسمية للموازنة السورية، لتكشف فجوة ضخمة بمليارات الدولارات سنوياً، وهي الأموال التي كانت تُحول مباشرة إلى "صناديق سيادية" سرية يسيطر عليها القصر الجمهوري، بعيداً عن أعين وزارة المالية.
علاوة على ذلك، ففي مذكراته "الرواية المفقودة"، يؤكد فاروق الشرع أن هيمنة الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة جعلت من المستحيل على أي مؤسسة رقابية الاطلاع على الحسابات الحقيقية للثروات الوطنية، مما يدعم الاستنتاج بأن النفط كان يُستخدم كـ "خزينة حرب" للنظام، وليس لرفد الاقتصاد الوطني.
عن كيفية تجاوز هذا الإرث، يؤكد الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند زنبركجي في حديثه مع "العين السورية"، أن الانتقال إلى موازنة حقيقية يتطلب "توحيد كل الإيرادات تحت إدارة الدولة المركزية وإلغاء أو دمج الصناديق الخاصة بالموازنة العامة". ويشرح زنبركجي أن الخطوة الأولى تبدأ بـ "توحيد الحسابات البنكية في حساب مركزي يديره البنك المركزي، مع اعتماد نظام محاسبي إلكتروني يربط الإنتاج والتصدير بالموازنة، لضمان تسجيل كل برميل لصالح الخزينة".
وفيما يخص ضمان عدم تسرب الثروة مجدداً، يرى زنبركجي أن الحل يكمن في "التدابير الرقابية الفنية الصارمة، وعلى رأسها تركيب عدادات ذكية وأجهزة قياس متطورة عند كل بئر ومحطة تحميل، ترصد الإنتاج لحظة بلحظة وترسله للنظام المركزي". هذا النظام الرقمي، بحسب زنبركجي، يجب أن يقترن بتدقيق دوري مفاجئ من فرق رقابية تتحقق من مطابقة الإنتاج المسجل مع الفعلي، وتنسيق كامل مع الجمارك والجهات المالية لضمان تحصيل كل ليرة ناتجة عن البيع الرسمي.
ورغم التفاؤل الحكومي، يضع زنبركجي النقاط على الحروف بخصوص الأثر المباشر على معيشة المواطن، موضحاً أن "الإنتاج الحالي محدود نسبياً، ويغطي فقط التكاليف التشغيلية الأساسية وصيانة الحقول". ويؤكد أن أي تحسن ملموس في الرواتب أو الوضع المالي يتطلب "زيادة الإنتاج، استثمار حقول جديدة، تحسين كفاءة التصدير، وتقليل الهدر في الشبكات"، مما يعني أن الطريق أمام حكومة الشرع لا يزال طويلاً لتحويل الوعود السياسية إلى واقع ملموس في جيوب السوريين.
في السياق، تكشف الأرقام الاقتصادية عن آلية أخرى لتبديد الثروة النفطية بعيداً عن أعين الرقابة؛ فبين عامي 2003 و2011، ارتفعت فاتورة 'دعم المحروقات' في الميزانية الرسمية بنسبة هائلة بلغت 927%، لتصل إلى 3.5 مليار دولار سنوياً. وتشير تقديرات خبراء بناءً على بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الدعم كان يذهب لتمويل عمليات تهريب وقود ضخمة خارج الحدود، مما كبّد الاقتصاد السوري هِدراً سنوياً يُقدر بـ 1.7 مليار دولار، كانت تُسجل دفترياً كـ 'دعم للمواطن' بينما تذهب فعلياً "لجيوب شبكات النفوذ".
اختبار "النفط لكل السوريين"
وعليه، يبقى التحدي الأكبر أمام حكومة الشرع هو الانتقال من عقلية "إقطاعيات النفط" إلى عقلية "المورد الوطني". إذ تُعدّ الشفافية التي يطالب بها السوريون اليوم، والمدعومة بالآليات التقنية التي طرحها الخبراء، هي الضمانة الوحيدة لعدم عودة "الثقوب السوداء"؛ بالتالي، فإن دخول عوائد النفط للخزينة مباشرة سيعني القدرة على لجم التضخم ودعم الليرة، وهو "الحلم" الذي انتظر السوريون عقوداً لتحويله من ملكية عائلية إلى حق وطني مشاع.
وبالعودة إلى الأبحاث والدراسات الموثقة، تحديداً تقارير معهد "تشاتام هاوس" اللندني حول الاقتصاد السوري، يتضح أن نظام حكم الأسد الأب والأبن قد أسسا منظومة مالية معقدة لضمان بقاء النفط خارج سيطرة وزارة المالية ومجلس الشعب؛ إذ كانت الإيرادات الضخمة الناتجة عن "شركة الفرات للنفط" والشركات الأجنبية المشغلة تُورد مباشرة إلى حسابات خاصة تابعة للقصر الجمهوري، أو ما عُرف بـ "الموازنة الموازية".
دراسات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وثقت أن هذه الأموال كانت تُستخدم لتمويل الأجهزة الأمنية، التسليح، وشراء الولاءات السياسية، مما يفسر التناقض الصارخ الذي وثقته تقارير البنك الدولي قبل عام 2011؛ إذ كانت أرقام الإنتاج المسجلة لدى الشركات الأجنبية تفوق بمراحل الإيرادات النفطية المسجلة في الموازنة العامة للدولة. هذا التعتيم الممنهج جعل من النفط السوري "ثقباً أسود" امتص مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تبني بنية تحتية متطورة، بدلاً من إبقاء البلاد في حالة ترهل اقتصادي مزمن.
تقارير دولية تكشف المستور
في السياق، استندت هذه المادة إلى مقارنة شاملة بين حجم الإنتاج الفعلي للنفط السوري وبين ما كان يُسجل رسمياً في موازنات الدولة؛ وبناء عليه، تؤكد دراسات "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية" أن هيكلية إدارة قطاع النفط في سوريا صُممت خصيصاً لتكون بعيدة عن أي رقابة مؤسساتية، إذ كانت القرارات والصفقات تُدار عبر شبكات أمنية وعائلية، مما جعل من النفط "إقطاعية" خاصة لا تدخل في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
كذلك، تظهر الفجوة بوضوح عند مقارنة بيانات شركة "بي بي" (BP) في تقريرها السنوي للطاقة (Statistical Review of World Energy)، الذي وثق إنتاجاً يتجاوز 500 ألف برميل يومياً في ذروته، ببيانات صندوق النقد الدولي (IMF) الرسمية للموازنة السورية، لتكشف فجوة ضخمة بمليارات الدولارات سنوياً، وهي الأموال التي كانت تُحول مباشرة إلى "صناديق سيادية" سرية يسيطر عليها القصر الجمهوري، بعيداً عن أعين وزارة المالية.
علاوة على ذلك، ففي مذكراته "الرواية المفقودة"، يؤكد فاروق الشرع أن هيمنة الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة جعلت من المستحيل على أي مؤسسة رقابية الاطلاع على الحسابات الحقيقية للثروات الوطنية، مما يدعم الاستنتاج بأن النفط كان يُستخدم كـ "خزينة حرب" للنظام، وليس لرفد الاقتصاد الوطني.
الطريق نحو المؤسساتية
عن كيفية تجاوز هذا الإرث، يؤكد الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند زنبركجي في حديثه مع "العين السورية"، أن الانتقال إلى موازنة حقيقية يتطلب "توحيد كل الإيرادات تحت إدارة الدولة المركزية وإلغاء أو دمج الصناديق الخاصة بالموازنة العامة". ويشرح زنبركجي أن الخطوة الأولى تبدأ بـ "توحيد الحسابات البنكية في حساب مركزي يديره البنك المركزي، مع اعتماد نظام محاسبي إلكتروني يربط الإنتاج والتصدير بالموازنة، لضمان تسجيل كل برميل لصالح الخزينة".
العدادات الذكية تنهي عصر التهريب
وفيما يخص ضمان عدم تسرب الثروة مجدداً، يرى زنبركجي أن الحل يكمن في "التدابير الرقابية الفنية الصارمة، وعلى رأسها تركيب عدادات ذكية وأجهزة قياس متطورة عند كل بئر ومحطة تحميل، ترصد الإنتاج لحظة بلحظة وترسله للنظام المركزي". هذا النظام الرقمي، بحسب زنبركجي، يجب أن يقترن بتدقيق دوري مفاجئ من فرق رقابية تتحقق من مطابقة الإنتاج المسجل مع الفعلي، وتنسيق كامل مع الجمارك والجهات المالية لضمان تحصيل كل ليرة ناتجة عن البيع الرسمي.
هل ينتعش جيب المواطن قريباً؟
ورغم التفاؤل الحكومي، يضع زنبركجي النقاط على الحروف بخصوص الأثر المباشر على معيشة المواطن، موضحاً أن "الإنتاج الحالي محدود نسبياً، ويغطي فقط التكاليف التشغيلية الأساسية وصيانة الحقول". ويؤكد أن أي تحسن ملموس في الرواتب أو الوضع المالي يتطلب "زيادة الإنتاج، استثمار حقول جديدة، تحسين كفاءة التصدير، وتقليل الهدر في الشبكات"، مما يعني أن الطريق أمام حكومة الشرع لا يزال طويلاً لتحويل الوعود السياسية إلى واقع ملموس في جيوب السوريين.
خدعة الدعم الحكومي
في السياق، تكشف الأرقام الاقتصادية عن آلية أخرى لتبديد الثروة النفطية بعيداً عن أعين الرقابة؛ فبين عامي 2003 و2011، ارتفعت فاتورة 'دعم المحروقات' في الميزانية الرسمية بنسبة هائلة بلغت 927%، لتصل إلى 3.5 مليار دولار سنوياً. وتشير تقديرات خبراء بناءً على بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الدعم كان يذهب لتمويل عمليات تهريب وقود ضخمة خارج الحدود، مما كبّد الاقتصاد السوري هِدراً سنوياً يُقدر بـ 1.7 مليار دولار، كانت تُسجل دفترياً كـ 'دعم للمواطن' بينما تذهب فعلياً "لجيوب شبكات النفوذ".
اختبار "النفط لكل السوريين"
وعليه، يبقى التحدي الأكبر أمام حكومة الشرع هو الانتقال من عقلية "إقطاعيات النفط" إلى عقلية "المورد الوطني". إذ تُعدّ الشفافية التي يطالب بها السوريون اليوم، والمدعومة بالآليات التقنية التي طرحها الخبراء، هي الضمانة الوحيدة لعدم عودة "الثقوب السوداء"؛ بالتالي، فإن دخول عوائد النفط للخزينة مباشرة سيعني القدرة على لجم التضخم ودعم الليرة، وهو "الحلم" الذي انتظر السوريون عقوداً لتحويله من ملكية عائلية إلى حق وطني مشاع.


