سوريا - اقتصاد
بين فخ التضخم وهجرة العقول.. هل تُرمم المراسيم ما هدمته عقود التخطيط المركزي في سوريا؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٥ مارس ٢٠٢٦، ١٥:١٢عدل في: ٢٥ مارس ٢٠٢٦، ١٥:١٢
3 دقيقة
0

في آذار الجاري، يبدو أن المحرك الاقتصادي السوري قد بدأ بالدوران بـ" تروس" جديدة تماماً. فبينما كان تشارلز ويلان يصف في كتابه الشهير "الاقتصاد عارياً"، الحكومات الناجحة بأنها تلك التي تعرف كيف تدير "الحوافز" و "الخارجيات"، أصدر الرئيس أحمد الشرع حزمة مراسيم (67، 68، 69) لترجمة هذه النظرية إلى واقع ملموس. المعركة اليوم ليست مجرد أرقام في ميزانية وزير المالية محمد يسر برنية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة "اقتصاد السوق" على مداواة جراح الحرب وتثبيت الكفاءات التي كادت أن تتبخر.
استبقاء "رأس المال البشري"
يرى ويلان أن الثروة الحقيقية للأمم ليست في الذهب، بل في "العقول". ومن هنا تأتي المراسيم (67 و68) كاستثمار في الكفاءة عبر "زيادات نوعية" استهدفت القضاء والصحة والتعليم.
وفي تحليل دقيق لهذه الخطوة، يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم في تصريحه لـ "العين السورية"، أن هذه السياسة قد تنجح جزئياً في إبطاء هجرة الكفاءات، لكنها لن تحقق الاستقرار المهني الكامل وحدها؛ لأن المشكلة تكمن في "الأجر الحقيقي" مقارنة بكلفة المعيشة. ويوضح عبد الكريم أن متوسط دخل الفرد السنوي يدور حول 800–900 دولار، بينما كلفة معيشة الأسرة تتجاوز 2.5 إلى 3 ملايين ليرة شهرياً، ما يعني أن زيادة الرواتب حتى بنسبة 50% لن تردم الفجوة مع الخارج حيث يتقاضى الطبيب مثلاً عشرة أضعاف دخله المحلي.
ويضيف عبد الكريم:"التمييز في الأجور مبرر اقتصادياً لأن خسارة طبيب اختصاصي واحد ترفع كلفة العلاج على المجتمع بعشرات آلاف الدولارات، لكنها تحمل كلفة مالية ضخمة قد تصل إلى 5 تريليونات ليرة سنوياً، ما قد يولد ضغوطاً تضخمية تلتهم أثر الزيادة إذا لم يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج، فضلاً عن خطر نشوء فجوة استهلاكية واجتماعية داخل القطاع العام في ظل معدلات فقر تتجاوز 60%".
مرسوم "إعادة الإعمار": ضريبة على قياس الضرر
ولطالما حذر ويلان من أن الضرائب قد تكون "قاتلة للنشاط" إذا لم تراعِ الظروف الاستثنائية، وهنا يأتي المرسوم رقم (69) لعام 2026 ليقدم نموذجاً لـ "العدالة التصحيحية". يصف محمود عبد الكريم ربط الإعفاء بحجم الضرر الفعلي بالخطوة الصحيحة لتحسين التدفق النقدي، فإعفاء منشأة كانت تدفع 50-100 مليون ليرة سنوياً يوفر سيولة للصيانة والأجور.
بيد أن عبد الكريم يؤكد أن الإعفاء وحده لا يكفي؛ فالقرار الاستثماري في 2026 يصطدم بـ "حوامل الطاقة" التي تشكل 30 إلى 40% من إجمالي كلفة الإنتاج، وهي كلفة تفوق العبء الضريبي نفسه. ويرى أن التعافي يتطلب "حزمة متكاملة" تجمع الإعفاءات مع الدعم الائتماني وتوفير الطاقة والقروض الميسرة، لأن الصناعي يتخذ قراره بناءً على "الربحية المتوقعة" واستقرار بيئة الأعمال لا الضريبة وحدها.
الرقمنة والضريبة الموحدة: كسر أنياب البيروقراطية
في السياق، يسعى الوزير برنية لتبسيط الإجراءات وأتمتة الجمارك، وهو ما يتقاطع مع رؤية ويلان بأن "التعقيد عدو الكفاءة". وهنا، يرى عبد الكريم أن الرقمنة أداة فعالة للحد من "الاقتصاد غير المنظم" الذي قد يصل لـ 60% من الناتج المحلي في الأزمات، ما يحرم الخزينة من مئات المليارات. وعليه، ستقلص الرقمنة زمن المعاملات وتحد من الفساد الإداري عبر تقليل الاحتكاك المباشر مع الموظف.
لكنه يربط النجاح بجاهزية البنية التحتية؛ ففي ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، قد تتعطل المعاملات ويهرب التجار للقنوات غير الرسمية. ويشدد على أن التحول يحتاج لتدريب الكوادر وتغيير "الثقافة المؤسسية" لضمان ألا تتحول الأتمتة لطبقة تعقيد إضافية بدلاً من أن تكون أداة إصلاح حقيقية.
الرهان على "القبضة الذكية"
بالتوازي، تتبنى الحكومة نهج اقتصاد السوق الحر وتنسحب تدريجياً من التدخل المباشر. وبناء على ذلك، يطرح عبد الكريم رؤية لكيفية ممارسة الدولة لدور "الحكم النزيه" بعيداً عن التسعير القسري عبر ثلاث أدوات:
1- تنظيم المنافسة: تفعيل هيئة مستقلة تمنع سيطرة عدد محدود من الموردين (3-4 تجار) على 60% من سوق السلع الأساسية.
2- شفافية المعلومات: نشر أسعار مرجعية رسمية لتقليص فجوة المعلومات، ما قد يخفض التباين السعري بنسبة 15% إلى 20%.
3- توسيع العرض: تشجيع دخول منتجين جدد؛ فخفض كلفة الطاقة بنسبة 15% سينعكس تلقائياً بانخفاض سعري يصل لـ 10%.
ويختم عبد الكريم بأن هذا النموذج يتطلب "سياسة اجتماعية موازية" تعتمد الدعم النقدي المباشر لـ 30% من الأسر الأقل دخلاً، كبديل أكفأ من دعم الأسعار الشامل الذي يشوه السوق ويستنزف الموازنة.


